اعجوبة الآتي من روما

من روما الى اور، حمل ثقل السنين واتى الى ارض البدايات: بداية التاريخ، وبداية الاديان، وبداية الحضارات.

من روما الى نينوى، حمل صليبه واتى الى ارض الفجيعة، فعاين آثار الطوفان الذي اغرق آدم وبنيه.

من روما الى قم، حمل ذاته جسر عبور فوق حطام برج بابل ومن بناه لمواجهة الخالق، فالتقى صديّقاً أزهر كالنخل وكمثل أرز لبنان نما.

لم يأتِ فاتحاً بل حاجّاً، بإسم الله، طالباً المغفرة عن جرائم قايين بحق اخوته، وقد ارتكبها، بإسم الله، والله منها براء.

اتى، فكانت اعجوبة العبور من اشكال الموت والابادة والعنف الى انتصار القيامة.

امام وداعته، سقطت فلسفات التفرقة والفصل والتباعد بين الأنا والآخر، بين الأقلية والاكثرية. وانهارت، امام بساطته، ايديولوجيات الممانعة واصوليات الانفصام الانساني. واندثرت، امام تجسّده، غوغائيات التحجر المتسلّط.

هو أطلق مفهوماً انسانياً وجيوسياسياً جديداً ستتردّد اصداؤه على امتداد الدهور والأمم”: الأخوّة الانسانيّة. وصرخ: “لتصمت الاسلحة!”

هو الفصح حمله الى المشرق المدمى بالتقاتل منذ ابراهيم: فصح العبور من نير العبوديات الى ارض موعد، حيث لا يفنى بعد اليوم الوجود.

وابناء الشرق يدركون قيمة ما حمله إليهم، إن ادرك المسلم المشرقي من بينهم أنّ ابرز مدافعٍ عنه هو المسيحي المشرقي، وإن أيقن المسيحي المشرقي من بينهم أنّ ابرز ضمانة لوجوده هو المسلم المشرقي. وأنّ كليهما احرارٌ معاً.

قدر لبنان ان يحمل هذا الجوهر الى العالم، هو الذي اسماه سلفه الروماني-البولوني العظيم: “وطن الرسالة”.

لكنّ زويعيميه الأصغر من غبار الأرض ما زالوا يتلّهون بلعب الاقصاء، وعبثية الاحاديات، وترّهات الاحقاد.

إذا كان الآتي من روما الى مشرقنا حمل إلينا اعجوبة الجوهر التي لطالما بدت مستحيلة، فاعجوبة لبنان ليست بمستحيلة: هي تكون بعبور اللبنانيين معاً فوق جهنم زويعيميهم، ليعيدوا على اشلائهم نبض حياتهم المسلوبة من قبلهم، فيضيفوا الى رصيد الاف السنين لوطنهم حضارة الاعجوبة التي تحرّرت من مستعبديها.

 

غدي م. نصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق