العمامة البيضاء!

… وبينا كان المتظاهرون سائرين في الموكب، فإذا بعجوزٍ يلفّ على رأسه عمامة، يتبختر بينهم، لدرجة أنّ عمامته البيضاء كانت تشكّل حالةً مضحكة، تجبر المتظاهرين على الضّحك رغمًا عنهم، ممّا جعل العجوز يهدّدهم بالصّراخ الشّديد إذا حاولوا الضّحك عليه بطريقةٍ ساخرةٍ في أثناء المظاهرة غير المنظّمة، على حدّ تعبيره، ولكن للأسف الشّديد لم يتمكّنوا من التّوقّف عن الضّحك، لأنّ منظره كان يشبه السّعدان مع عمامته البيضاء التي تترّنح شمالاً ويمينًا، عندها ومن شدّة غضبه، تمدّد على الأرض صارخًا، ما بالكم، ألم تفهوا بعد، لم أنا موجودٌ بينكم؟ ألم تنتبهوا أنّ وجودي هو مفتعل؟ وأنّ العمامة البيضاء على رأسي، هي فقط  لتذكّركم بأنّ السّلام سيأتي من الرّجل الأحمق.

أمام هذه العبارات، بدأت هتافات المتظاهرين، قائلةً: غريبٌ أمرك يا أيّها العجوز؟

فأجابهم بصوتٍ هادئ: الغرابة ليست في أمري، بل في الطّريقة التي تتظاهرون بها على “الطّميش”، فالتّظاهر هو من أجل قضيّةٍ هادفة، أمّا أنتم فما هي قضيّتكم؟ عند سؤاله هذا، عمّ المكان الهدوء المروّع، فعاود العجوز السّؤال مرةً ثانية، ما هي قضّيتكم؟

هنا تعالت الأصوات، لدرجةٍ أنّه لم يعد من أحدٍ يسمع الآخر، كما ” اختلط الحابل بالنّابل” وبقيت القضيّة مجهولة الهويّة، وبقي العجوز وعمامته يتبختران بينهم، بينما القضيّة نسيت أمثولتها، ولم يبق لها سوى فرضها الذي فُرض على كلّ مواطنٍ ناشد التّظاهر الحقيقيّ!

هذه هي نهاية المظاهرات؛ شخصٌ واحدٌ يعرقل مسارها عبر صدفةٍ مفتعلة، والآن حان الوقت لكي نسأل، من هو العجوز الأحمق الذي كان يتبختر بين صفوف المتظاهرين؟!

رحم الله الفيلسوف الرّوسيّ ” دوستويفسكي” عندما قال: الأذكى على الإطلاق من جهة نظري، هو المرء الذي ينعت نفسه بالأحمق مرةً واحدةً على الأقل كلّ شهر”.

صونيا الأشقر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق