الـ “أس-400” الروسية تُقلق واشنطن وتزعزع الناتو!

في خطة روسية تهدف الى بناء شرق أوسط أقل اعتماداً على الولايات المتحدة الأميركية، بدأت موسكو عملية تسليم منظومة “أس-400” الدفاعية الصاروخية إلى تركيا.

يشير خبراء مطلعون الى أنّ موسكو أدركت منذ فترة طويلة أنّ القبضة الأميركية على المنطقة مرتبطة بمكوّنها العسكري إلى حدّ كبير، فالمقترحات الروسية وفرّت لبلدان، مثل مصر والعراق، حلاً لخفض الاعتماد السياسي- العسكري على الولايات المتحدة. أمّا بالنسبة إلى السعودية، فتمثّل الاتفاقات العسكرية مع روسيا ورقة ضغط في المفاوضات مع الأميركيين. فمنظومة “أس-400” إلى جانب المقترحات العسكرية- التقنية الروسية الأخرى تخدمان هدف روسيا القاضي بأنّ “تفرّق وتسد”، وموسكو تكسب شركاءها عبر تزويدهم ببديل سياسي أو عسكري أو تكنولوجي لما تقدّمه الولايات المتحدة.

“أس-400” أداة للسياسة الخارجية الروسية

تحاول روسيا لعب دور القوة البديلة على مستوى العلاقات الدولية. وتتيح إمدادات صواريخ الأرض- جو الطويلة المدى لموسكو بناء أو الحفاظ على علاقة تعاون طويلة المدى مع العملاء مثل تركيا، والصين والهند، أمّا بالنسبة إلى دول أخرى، مثل قطر، وفييتنام، ومصر، فمن شأن عملية شراء “أس-400″ أن توفّر لها خيارات إضافية وفتح مجالات جديدة في سياساتها الخارجية. وفي المقابل يحذّر خبراء آخرون من مخاوف استخدام الأتراك المنظومة ضد الطائرات الروسية ما أن ينتهي شهر العسل بين بوتين وأردوغان وما ان تتجاوز تركيا خطوط موسكو الحمراء في المنطقة. كما الخوف من قيام تركيا بتوريد خصائص المنظومة التكنولوجية إلى الأميركيين بموجب اتفاق منفصل، بما يتيح للولايات المتحدة تعديل طائراتها لأكثر فعالية في وجه الـ”أس-400” في حال وقوع مواجهة عسكرية مع روسيا. وفي سياق متصل نفى مسؤولون عسكريون روس هذه الادعاءات والمخاوف وأوضحوا أنّ المنظومة التي تسلّمها روسيا لتركيا هي نسخة معدّة للتصدير ومختلفة عن تلك التي تستخدمها روسيا، كاشفين أنّ المنظومة أصبحت “قديمة”، حيث تعمل روسيا حالياً على منظومة “أس-500” الأكثر تطوراً.

تركيا تنسحب من الناتو؟!

ويعتبر الخبراء ان تداعيات حصول تركيا على منظومة الـ”إس-400″ الرّوسية، والصّراع الناتج من هذه الصفقة بين أنقرة وواشنطن قد يُسفران عن انسحاب تركيا من حلف شمال الأطلسي” الناتو”، إلاّ ان ثمن هذه الخطوة سيكون باهظاً لحدّ أنّ الرئيس التركي قد يحتاج إلى مساعدة موسكو من أجل الحفاظ على سلطته. فهذه الصفقة بين أنقرة وموسكو ستؤدّي إلى تدهور العلاقات الصعبة بين تركيا والولايات المتحدة، لا سيما أنّ واشنطن ستضطر الى فرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها هذه الأنظمة. فالرئيس ترامب سيحاول “على الأرجح” تأجيل فرض هذه العقوبات، لكن لن يكون بإمكانه التخلي عنها بالكامل. ويرى الخبراء أنّ قرار تركيا حول انسحابها من حلف “الناتو” سيصبح حال اتخاذه نقصاً استراتيجياً هائلاً بالنسبة للحلف. وأوضحوا أنّ “هذه الصيغة لا يمكن استبعادها”، فنتيجة الصراع ستعتمد على من الذي سيعتبره الرئيس التركي أردوغان، ضماناً لمستقبله السياسي.

صراع انقرة وواشنطن: انتصار لـبوتين!

ويعتبر الخبراء أنّ واقع ظهور هذا الصراع بين أنقرة وواشنطن هو نفسه يعدّ انتصاراً كبيراً لـبوتين. فأجواء عدم الثقة ببعضها البعض ستتفاقم في العلاقات بين الدول الأعضاء في حلف “الناتو”، حتى في حال بقاء تركيا عضواً فيه. وشدّدوا على أنّ دقّ الإسفين في “الناتو” قد تم، وسيستمر تأثيره حتى في حال الحفاظ على الحلف في شكله الحالي.

فسمعة روسيا في العالم ستواصل تدرّجها بسبب الصفقة مع تركيا، وسيحصل العسكريون الروس على الدخول إلى المعلومات السرية، الأمر الذي سيصبح هدفاً كبيراً ودسماً بالنسبة لاستخباراتها.

“مفاجأة دولية”!

ووصف الخبراء تعزيز الاتصالات بين موسكو وأنقرة بأنّه “مفاجأة دولية”، وأشاروا في الوقت ذاته إلى أنّ إضعاف الاتصالات مع الولايات المتحدة وتحسين العلاقات مع روسيا سيسفران عن خسائر سياسية واقتصادية كبيرة بالنسبة لتركيا، وأعربوا عن اعتقادهم أنّ أكثر طرف ضعفاً في هذه الحالة هو أوروبا العاجزة عن التأثير على حلّ هذه المسألة، بالرغم من أنّ هذا الصراع يمسّ مصالحها الوطنية.

أنقرة: الولايات المتحدة تزعزع الاستقرار

وبدأت تركيا تنظر إلى الولايات المتحدة كقوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط منذ أيام الغزو الأميركي للعراق الذي أحدث فراغاً ملأته الحكومة الإقليمية في كردستان. ويرى الخبراء أنّ دعم الولايات المتحدة للمجموعات المسلحة الكردية في سوريا عزز وجهة النظر هذه، الأمر الذي دفع تركيا إلى أحضان روسيا وأثار تساؤلات حول التزامها بـ”الناتو”. فأردوغان الذي رفض الإذعان للتحذيرات الأميركية، اتخذ قراراً سياسياً يفيد أنّ أنقرة مستعدة للتخلي عن علاقات ودية مع واشنطن لصالح العلاقات الوظيفية مع موسكو. فالأمور ازدادت توتراً مع اندلاع الحرب السورية، حيث سعت أنقرة إلى تحييد الأكراد السوريين الذين سيطروا في أوائل العام 2012 على المناطق الحدودية، اضافة الى العمليات التي شنتها أنقرة داخل الأراضي السورية وبتحالف واشنطن مع “قوات سوريا الديمقراطية” التي تعتبرها تركيا إرهابية.

تقاطع مصالح روسي- تركي في سوريا!

ويرى الخبراء، أنّ أنقرة بدأت تعيد تقييم إذعانها لواشنطن في ما يتعلق بقضايا أمنية أخرى أيضاً مع تنافر المصالح الأميركية – التركية في سوريا، فـحزب”العدالة والتنمية” سعى لأكثر من عقد إلى خفض اعتماد تركيا على الولايات المتحدة وإنشاء بلد كقوة مستقلة عالمية.

فأنقرة أدركت أنّه يتعين عليها العمل مع موسكو لإدارة تدفق النازحين من المناطق المتأثرة بالصراع السوري، وعززت علاقتها مع روسيا للضغط على الرئيس السوري من أجل تضييق نطاق العمليات القتالية في تلك المناطق، نظراً إلى أنّ القتال في المناطق الحدودية يصعّب عليها إدارة هذا الملف. وأشار الخبراء الى أنّ روسيا برزت في الوقت نفسه بوصفها الشريك العسكري الأكثر موثوقية لتركيا في سوريا، ما مكّن أنقرة من استئناف عملياتها القتالية المحدودة في المناطق الحدودية ولكن من دون تهديد حكم بشار الأسد. واعتبروا ان روسيا تستفيد من هذه العمليات لأنّها تؤجج التوترات الأميركية- التركية، التي تؤجج بدورها التوترات العالمية، باعتبار أنّ البلدين عضوان في “الناتو” وروسيا تمثّل أفضل وسيلة لتركيا يمكن من خلالها التأثير في تسوية السلام النهائية في سوريا، وربما في الدستور السوري الجديد، ويمكن لهذين العنصرين منح أنقرة فرصة لإحباط طموحات الحكم الذاتي الكردي في شمال شرقي البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق