المقامرة!

هوذا زمن المقامرة يزدَهر، مع أفول عهدٍ أتى بصَفقة محاصَصة أسمَاها تفاهمات، وسيرحل بصفقات يُسميها إنجازات فيما هي استجداءات تَعدُم ما تبقّى من شبه الدولة اللبنانيّة.

أتذكرون ذلك المُستَبرِع في إستنباطات الإنفِصام المَرَضي وتصويرها بصيرة، الذي بشّر بـ”قلب الطاولة على الجميع”؟ إنظروا كيف وضع نفسه في تصرّف نظامٍ بعثيٍّ ما آمن يوماً بلبنان، وحزبٍ إلهوي مُمعنٍ في إنكارّية واقعِ لبنانَ وحقيقته، محولّا إيَّاه جمهوريَّة اسكوبار، ومُعلياً شعارات العداء لـ”الشيطان الأكبر”، فيما طَرَفه ألآخر في ثنائيِّته العَادمِة للديموقراطيَّة يكشف، كلَّ مرَّة، حجم إسترهانِهِ لأصغر موظفٍ لـ”الشيطان” عينه.

أنظروا الى شركائه في اللعب: أمثاله، أصغر من صِغار الدمى. يُدَارون بسيناريوهات خارجيَّة، يأكلون الكفَّ فالسحسوح فاللبطة متباهين أنَّهم يلعبون أدواراً خلاصيَّة.

والثمن: وطنٌ، أسَروا شعبه، وأبادوه جوعاً بعدما نهبوا جَنَاه وشرَّدوا أبناءه، وسيسوقونه مُكبّلاً للأقتراع لهم في ما سيُسمونه “عرساً ديموقراطيَّاً”، يرقصون هم فيه على جثَّتِه، فيما كلُّ ما تبَّقى فيه من صوَر: النظام، الرئاسة، المناصب، التعيِّينات، دماء ضحايا الانفجار- الهول…، يُصَفُّونها بأبخس الأثمان في سوق نخاسةِ مقايضاتهم لِضَمِّها إلى رابحٍ معروفٍ سَلَفاً، وهو ثنائي الجريمة الأكبر: إلزام اللبنانييِّن، مسيحييِّن ومسلمين، على دفعِ رأسِ لبنان ثمناً لإدِّعاء حمايته، فيما هوحللَّ ذَبحَه بِفِقه وَليِّه.

جريمةُ خلافٍ بين دُمى؟ أبداً! هي الدُمى على تفاهمٍ. لا تنسوا جواب فرنسوا الأول ملك فرنسا، يوم تجرَّأ أحدهم وسأله عن خلافه مع شارل هابسبورغ إمبراطوار النمسا: “لا خلافَ بيننا، بل أقصى التفاهم: كلانا نريد السيطرة على الاقطاعات الإيطاليَّة…”

هوذا زمن المقامرة! ألا نهاية له إلّا بدمائِنا لأجل سيطَرَتهم علينا، مَغانِمَ إقطاعيَّات؟

أهمُّ ما في الثورة الفرنسيَّة أنَّها، تثبيتاً لوحدة فرنسا وأولويَّة شعبِها مَصدراً للسلطات لا مفعولاً به، قَطَعَت رؤوساً أخطبوطيَّة “متفاهِمَة” إستفرَدَت بأُمَّة وشعبٍ حَدّ مَصِّ دمائهما.

هلّا تَعلَّمنا… قبل أن ينحرونا بمقامرات تفاهماتهم؟

غدي م. نصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق