بربّكم.. كيف نثق بهم من جديد؟

 

تشكيل الحكومة ونيلها ثقة المجلس النيابي بسرعة البرق، رغم محاسنها الجمّة، لم يرتدا ايجاباً على الوضع الاقتصادي المتعسّر في بلدنا.. وكأنها لم تحظَ بثقة اللبنانيين، الذين كما يبدو فقدوا صفة التفاؤل لكثرة خيبات الامل التي تسبب بها الطاقم القديم، الذي عاد هو نفسه ولو ببعض الأسماء الجديدة التي ليست الا وجهاً آخر للعملة نفسها.

من المضحك المبكي ما نسمعه اليوم عن وعود عسلية على لسان المسؤولين أنفسهم، الذين نهبوا البلد ودمّروه، والذين يعدوننا فجأة بالرقابة، والمحاسبة، والشفافية، ووقف الهدر، وتطبيق القانون على الجميع، والنهوض الاقتصادي، والكهرباء على مدار الساعة… وكأننا معدومو الفكر والذاكرة، او كأنهم انقلبوا بين ليلة وضحاها وتحولوا من مجموعة لصوص الى مسؤولين وطنيين، عادلين، ومتفانين لبلدهم وشعبهم.

كيف يريدون ان يصدّقهم اللبناني مهما كان بسيطاً؟ 

طالت الازمات وتفاقمت ووصلت الى حد غير مسبوق في السنوات العشر الأخيرة.. أزمات اقتصادية تهدّد العيش الكريم. ازمات اجتماعية تهدّد العيش المشترك. أزمات بيئية تهدّد العيش السليم. ازمات امنية تهدّد العيش باستقرار، وترتد سلبا على باقي الملفات… لكن رغم خطورة الوضع وجسامة الازمات، كان من الممكن ان ينهض المجتمع المدني بالبلاد من جديد، لولا فقدان سمة واحدة فقط لا غير: الثقة! هذه الثقة التي تبث الامل في نفوس اللبنانيين والشجاعة في قلوبهم، وتجعلهم يعيدون بناء البلد بعد كل كبوة أفضل مما كان.

لكن انظروا إليهم، تأملوا في وجوههم الماكرة! انظروا ما فعلوه بالوطن! بربكم كيف نثق بهم من جديد؟

حقيقة أقبح من شهادة زور 

أحد اهم العناصر التي تجعل انساناً يثق بإنسان آخر هو الإيمان بانه يقول الحقيقة. هذا ما يفتقده الشعب اللبناني الذي يعرف جيدا ان اهل السياسة لا يقولون الحقيقة، بل يكذبون عليه وعلى أنفسهم.. وما هو أخطر من ان يصدقوا اكاذيبهم، هو ان يعتبروا انها ضرورية وتدخل في صلب “الدهاء السياسي”. أي انهم كذابون محترفون.. وفخورون بذلك!

يعتبر الفيلسوف نيتشه ان “الحقيقة هي أحد أشكال المعرفة الأقل فاعلية”، ربما لأنها بالمطلق وهمٌ، او على الأقل ليس هناك حقيقة واحدة بل لكل مجموعة حقيقتها النابعة من ثقافتها وتاريخها وتصوراتها المسبقة. لكن هناك حداً أدنى من المصداقية يجب ان يتحلى بها السياسي كي لا يتحول الى منافق كما هي الحال عندنا. ما يعيدنا الى تساؤل آخر لنيتشه: ” إلى أي مدى تتحمل الحقيقة الاستيعاب؟”.

لقد وصل حدّ استيعاب الحقيقة في لبنان بل تزويرها من قِبَل المسؤولين الى حدّ فقدان البوصلة والمصداقية وحتى الإيمان. الشعب لم يعد يدرك الى من يستمع ومن يصدق، بين معارض او معارضة تتهم اهل السلطة بالفساد بالأسماء والوقائع، ومسؤولين يتهمون المعارضة بالمثل! منهم من يصدّق ذاك، وغيرهم من يصدق ذلك، والنتيجة كلام بكلام على حساب حقيقة تحولت قميص عثمان. في مثل هذه الحال، في بلدان تحترم نفسها، القضاء يتولى الملف ويُظهر الحقيقة. لكن أين القضاء في لبنان؟ لقد ضاعت حقيقته في غوغائية المصالح والاستزلام.

رغم ذلك ” سنلحق الكذاب على باب الدار” كما يقول المثل، كون عيون العالم تراقب اهل الحكم الذين باتوا مرغمين على تبيان حسن نيتهم لجهة تصحيح المسار. من هنا سننتظر الخطوات الأولى لحكومة الإصلاح والتغيير الثانية، على امل ان لا تلحق بالتي سبقتها، فتنتهي بحقيقة اقبح من شهادة زور.

جوزف مكرزل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق