بعد 17 تشرين لن يكون كما قبله

الجمهور الكبير والتعددي الذي حشدته الانتفاضة الشعبية، برهان ساطع على انهيار الجمهورية الثانية وفشل حكوماتها التي تتالت دون ان تحقق شيئا باستثناء افقار لبنان وشعبه. واستمرارية الثورة السلمية، او العصيان المدني كما يعتبره البعض، على مدى أسبوعين، ليس سوى تأكيد على تصميم الشعب محاسبة بل محاكمة من اوصلونا الى ما نحن عليه من افلاس على جميع المستويات، وذلك مهما كلف الامر.

الواضح مما شهدناه على الأرض، ان الشارع لن يستقر نهائيا، وسيعاود الكرّة باستمرار وبانتظام حتى تحقيق اهداف ملموسة لا تقتصر على اسقاط حكومة وتأليف أخرى بل ترمي الى “تغيير النظام” بمعنى تبديل نمط الحاكمين المتحكمين به، كما محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة. ومن الواضح أيضا ان المسؤولين على مختلف المستويات بحالة نكران للواقع، ربما لأنهم لا يزالون يعتبرون انهم فوق القانون ومصدر السلطات لا المؤتمنون عليها، او انهم لم يستوعبوا حجم الحراك ويعتقدون انه كما غيره سيولّي من دون عودة. هذا ما يفسّر الهجوم على سعد الحريري المستقيل، من قبل حفنة منتفعين جشعين متربصين بأشلاء سلطة واهية. ومن الواضح انهم رغم غطرستهم باتوا يخشون اليوم حكم الشعب ومحاكمته اياهم.

يبقى السؤال: الى أي حدّ يستطيعون الهروب؟ لأن ما بعد 17 تشرين لن يكون كما قبله.. فالشعب قرّر مصيره، وسيعيد الكرّة مرارا وتكرارا حتى التوصل الى أهدافه.

الحزب يرى القشة.. وليس الجذع 

الدفاع عن الحكومة المرحومة من قبل امين عام الحزب الإلهي الحاكم أمر طبيعي كونه يحاول المحافظة على مكتسباته ولن يقبل ان يفرّط بها أحد. لكننا اعتدنا من السيّد نصرالله ان يترفّع عن الصغائر بدل أن يرمي الملامة على اخصامه. هذا إذا اعتبرنا ان الحراك موجه ضدّه وهو ليس كذلك. لذا اتهام الآخرين بالتعامل مع الدول الخارجية يرتدّ على الحزب الإلهي الذي لا يخفي بل يفتخر بصلته العضوية مع إيران. كما ان الحزب يعتمد على امدادات الاثرياء ليستمرّ..وهل من رأسمال نظيف في عالم اليوم؟

من هنا من المفترض ان يرى الحزب الجذع الذي في عينه، قبل الدلالة على العيدان في عيون الاخرين.

بين الأساسي والملحّ 

يتردد السؤال لدى الكثيرين ” اين الدول العظمى ولماذا لا تدعم التحرّك الشعبي؟”. من هنا يقتضي التأكيد ان دول القرار من اميركا وفرنسا وغيرهما من الدول الغربيّة النافذة، تتعاطف مع الثورة الشعبيّة وتدعمها ربما معنويا في مكان ما. لكن هذه الدول براغماتية وليست مثالية وهي تميّز بين الأساسي والملحّ. أي بمعنى آخر، تعتبر ان ما يطالب به الشعب أساسي، بل تأسيسي، لكن الملحّ بالنسبة الى من يهمه استمرارية لبنان كوطن حر مستقل، هو بكل بساطة منع الانهيار الاقتصادي والمالي، الذي سيفرض على لبنان وصاية من قبل منظمات دولية. وهنا لن يكون للشعب او الحكام أي دور او قرار اساسي. لذا من الأفضل ان نبقى على هذا المسار كي لا يتهاوى البلد ولا تطفأ شعلة الثورة.

“سيدر”.. تتمة للثورة 

صحيح ان الموازنة التي توصّلت اليها الحكومة تساهم في فتح أبواب “سيدر”، لكن الشروط التي وضعتها الدول المانحة تتخطى هذا البند الأساسي. انها تطالب بالشفافيّة، وبإصلاح جذري، ومراقبة دائمة، ومساءلة مستمرة، ومحاسبة حقيقية، من خارج إطار المافيا المحليّة.. ما يعني انها ستنفّذ بمكان ما مطالب الشعب الثائر في الساحات!

جوزف مكرزل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق