بين مُعتقلَين!

“4 ملايين لبناني مقتول، مجروح، منكوب، مسروق، مخطوف”، يافطة رُفِعت قبالة مرفأ بيروت المدمّر بإحدى اكبر جرائم الإبادة. إنّها نهاية وطن تغلّب على احتلالات لينتهي معتقَلاً بأهله وشهدائه، بتاريخه ومستقبله، بوجوده وحضوره، من طغمة هوت به الى العصر الحجري.

ولكن هل نسيتم ذاك الوطن-المعتقَل الآخر، بقبائله الحجريّة وعقليّته القرون-وسطيّة، المنقطع عن التاريخ ومهدِّد المستقبل، الذي منه كانت بداية توترات عالم ما بعد الحداثة؟ أفغانستان! احتلّه السوفيات، فتفتّقت عبقريّة الاميركييّن في اختلاق التطرّف السنّي المسلّح بأموال البترو-دولار لمحاربة احفاد ستالين، فكان بن لادن الذي منه انبثقت طالبان المحليّة وتوأمها العالمي داعش. وإذ هوى البرجان في عاصمة العالم الاقتصاديّة: يورك الجديدة، بفعل انقلاب الوحش على خالقه، احتلّت الولايات المتحدة أفغانستان لتعود فتسلّمها لطالبان عدوّتها بعد عشرين سنة، في اقسى مذلّة منذ فييتنام.

هنا المعتقِل طغمة تحترف التنكّر والإنكار بممارساتها المافيوية تفجيراً وحرقاً وإفقاراً وتجويعاً لشعبٍ تحقنه بالاحقاد،مع وحش مسلّح بأذرع كثيفة ينذر بمتغيّرات استراتيجيّة لطبيعة الكيان اللبناني، وقد بدّد الدروز وشرّد السنّة وشتّت المسيحيين، فإستكبر بشيعيّة سيطرته على عواصم عربيّة وتمدّد ليحاصر أذرع الغرب وأذنابه في الشرق.

وهناك المعتقِل وحشٌ هو طغمة مسلّحة بأذرع عنيفة سيطر مبشّراً بتمدده السنيّ، (المباشر او عبر حلفائه، وأبرزهم ذاك المتعثمن حتى قلب أوروبا وشمال افريقيا)، ليحاصر شرقاً ورثة السوفيات في عمق جمهوريّاتهم الإسلاميّة، وغرباً أذناب الاميركييّن حتى عمقهم، من تعثّروا حتى بالهرب بعدما تخلّوا عن عملائهم لوحشة أقدارهم.

العالم اليوم أسيرٌ من ورق بين وطنين-مُعتقلَين، وصراع المعتقِلين سيطاول البشرية. “نحن، الحضارات، بتنا نعلم أننا فانون” كتب بول فاليري ذات 1919.

ها زمن زوال الحضارة قد حلّ… بفعل تخاذل الغرب الذي لم يتعلّم منذ الإمبراطوريّة الرومانيّة انّ الامبراطوريّات تندثر لا بفعل الداخل بل من انقضاض معتقلات التوحّش خوارجها، والتي خلقتها.

غدي م. نصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق