خطر العودة الى زمن التخلّي!

أتت العطلة الصيفية في الوقت المناسب هذا العام كون التشنجات السياسية بين الأطراف وصلت الى حدّ خطير من التنافر والقطيعة، ما يُنذر بشلّ السلطات والقرار. وما هو أخطر من الفراغ القراري، الاصطفاف الذي نشهده بين من يعتبرون ان “حزب الله” يحاول إلغاءهم ومن يرتكزون عليه للوصول الى أهدافهم السياسية. ما يذكّرنا الى حد بعيد بالجبهتين اللتين تشكّلتا قبل اغتيال الحريري واللتين تحوّلتا الى كتلتين متخاصمتين أطلق عليهما 8 و14 آذار. هاتان الكتلتان حولتا لبنان الى ساحة صراع مكشوف وأليم، كلفنا الكثير من الأرواح واوصلنا الى تضعضع اقتصادي..وتصدّع اجتماعي.. وضياع سياسي.. وفراغ دستوري.. وعدم اخلاقي.

لذا، نأمل ان يستفيد الزعماء، إذا وُجدوا، من شهر آب ليعيدوا حساباتهم من اجل مصلحة الوطن وليس طموحاتهم ومنافعهم الشخصية والفئوية، ويهدئوا اعصابهم ويفتحوا عيونهم وقلوبهم، ويستعينوا بعقولهم وليس غرائزهم.. كي ينتقوا المسار السليم لا الأليم، ليس من اجلهم فقط بل من اجل وطن ومواطنين فقدوا حصانتهم الواقية ومخزونهم الحيوي.

جنبلاط.. والبيئة الحاضنة!

الخطأ الكبير الذي ارتكبه وليد جنبلاط ليس الوحيد الذي هدّد الاستقرار في لبنان. فخصومه الكثر وفي مقدمهم “حزب الله”، خلقوا حالة عدم استقرار وقلق وجودي اخرجت السلاح من الخبايا الى العلن.. والمعلوم انه مع السلاح يحضر التهوّر والعنف.

من هنا نحمّل من يتجاهر بسلاحه وقدراته العسكرية مسؤولية إدخال البلاد من جديد في دوامة الترهيب والتخويف من الآخر. صحيح أن الحزب وغيره يدركون الأمر ويستدركون الوقوع في المحظور، لكن في المقابل، هناك هوس متصاعد ممّا يسمّونه “الإلغاء”، ليس من قِبَل الدروز فقط بل من قِبَل قسم لا يُستهان به من المسيحيين والسنّة الذين يتكلمون اليوم عن “عدّ عكسي” و”التحرك قبل فوات الأوان”.

حتى ولو لم تؤدِ الى حدّ الصراع العسكري، تولّد هذه الأجواء بيئة حاضنة لجميع أنواع التطرّف، وتشرّع ابوابنا للتدخّل بل للتحريض الأجنبي. في وقت نحاول ان نعيد الاعتبار الدولي الى البلد كي لا يشهروا افلاسنا!

الموازنة.. ويوم الحساب 

أحد أهم حلقات المسرحية الرسمية لتبييض وجه لبنان أمام الدائنين، القدامى والمقبلين، هو إقرار الموازنة، ما أتاح الفرصة لبعض أركان الحكم للتطاوس وكأنهم حققوا معجزة. ويا ليت كانت هذه الموازنة صحيحة وموزونة، وليس كذبة كبيرة!

الإنجاز الحقيقي بل المعجزة التي يجب ان يحققها طواويس السلطتين التشريعية والتنفيذية هي قطع الحساب من دون تطبيق مبدأ “عفى الله عمّا مضى” والتستير على بعضهم البعض. لأنهم مسؤولون جميعاً، حتى الذين، وهم قلائل، لم يشاركوا في النهب المبرمج للمال العام.

لأن من دون قطع الحساب القديم، الموازنة الجديدة لا قيمة لها عملياً ودستورياً، وتبقى مجرّد اعلان نوايا ليس إلا. لكنهم يتخطون الدستور والقوانين “لمرة واحدة فقط”.. هذه المرة التي تتكرّر موسميّاً منذ عشرات السنين، وتواكب الاستحقاقات على أنواعها، وتسمح للقاصي والداني أن يستمر في نهب الوطن أرضاً وشعباً دون خشية من يوم الحساب .. الدنيوي فقط!

جوزف مكرزل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق