فذلكة الموازنة.. أو فذلكة السفسطات؟

لقد بدا لعامة اللبنانيين أن معظم نوابهم في المجلس ناقشوا الموازنة دون أن يطّلعوا عليها، بل كان قصدهم الأساس التشاوف والديماغوجية عبر الطباق والجناس للغتهم العربية. ولو لم يتدخل وزير المالية في النهاية وبعده رئيس الحكومة لنشر الأرقام والوقائع، لانجرّ نوابنا في متاهاتهم التقليدية التي لمست هذه المرة نضوب مصادر “البرطيل” وتردي الإقتصاد. وبدافع الكشف عن “سبب السبب”، قصدنا إلى “الحكيم الأكبر” في صومعته الجبلية النائية، ووجدناه بالفعل يمشط لحيته البيضاء بيده، وحماره مربوط بالشجرة إزاءه…

– عِمت مساءً أيها المبجّل. جئنا نستنير برأيك في ما وصلنا إليه من ضيق. لماذا ينزلق هذا الوطن من سيئ إلى أسواُ؟.

– إسمع يا بني، قال الحكيم، لن يتم أي إصلاح إذا لم ينطلق من الأساس. الدستور أساس الحكم في البلد، دستورنا مسكين، فبعد أن بدأ بصياغة شبه صالحة لذلك الزمن، عدّله زعماؤنا ليصبح وسيلة للنهب والإفساد…

– وكيف ذلك؟. أردت أن أعرف…

– خذ مقدمة الدستور مثلاً، النقطة “5”، التي تقول بالحرف: “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”. إنتبه أولاً لكلمة “قائم”. أليست تعني أن النظام غير قائم، أي في حكم المُلغى، إذا لم يعتمد مبدأ الفصل بين السلطات؟. ثم تمعّن بكلمة “الفصل” أليست تعني بالمطلق عدم التشريك؟. هذا هو السبب الأساس في تردي النظام. إنهم يذبحون روحية الدستور!…

– لكن الدستور، أيها المبجل، يجيز الشِرك بين السلطتين؟…

– حسناً فعلت يا بني باختيارك كلمة “الشِرك”. لأنه على صعيد الحكم، كالشِرك بالله على صعيد الإيمان. وكلامك صحيح. ففي 8/5/1929، عدّل زعماؤنا المادة 28 والتي كانت أيضاً تنص: “لا يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزراء…” بحذف بسيط لكلمة “لا”، ليصبح نصاً تشتم منه الفساد دون أن تفتح منخريك، وتناقضاً أعوج بين المقدمة وصلب الدستور يجعل كل نائب مستوزرا أو وزيراً أو “داعماً” لوزير، ويحوّل المشرع الحامي ليصبح العميل الحرامي؟!…

– ألست تجد مخرجاً من هذا البلاء؟…

– المخرج معروف يا بني: الفصل بين التشريع والتنفيذ الذي رجعوا يتحدثون عنه اليوم لإيقاف الهدر والفساد. ونقول لهم صح النوم قبل أن يجف ضرع البقرة اللبنانية نهائياً… وهناك يكون البكاء وصريف الأسنان!…

– هل ترى المجاعة تزحف إلينا، وقريباً تتصاعد الصرخات؟…

– هه! حماري يعرف هذا. وحتى قبل أن تزحف المجاعة إليه، يسترسل في النهيق!…

د.هادي ف. عيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق