كما تكونون يولّى عليكم!

مقولة شعبية أفضل مثال عليها. إن ابتعدنا عن السياسة أو اقتربنا منها آثارها تلاحقنا أينما ذهبنا.

يستهدفون راحتنا النفسية في كل كلمة يقولونها وكل مسرحية من مسرحيات الخوف على مصالحنا ومشاريع الغد المشرق تنتهي بصفقة شفط ما تبقى لنا من عيش كريم من جيوبنا.

هذه هي الحال التي لم ولن تتغير إذا بقي شعبي مدمناً على الفساد.

هذا الفساد الذي أوصل أعمدة الدولة الى التخلخل والإنهيار ليس مصدره رجالاتها بل نحن.

بما أننا في نظام ديمقراطي والشعب هو مصدر السلطات فنحن مصدر هذا الوباء المستفرس علينا.

طالما هناك حتّى اليوم من يضرب أطفاله أو زوجته، طالما هناك من يبيع بناته لرجل من عمره حتّى “ينستروا”، طالما هناك من يأكل الفول ويرمي القشرة وتنكة البيرة من شباك سيّارته، طالما هناك من يبرطل ومن يقبل بالرشوة وهناك من يبيع صوته وكرامته ومستقبله بربطة خبز يملأ فيها قعر معدته الفارغة منذ مدّة، وهناك من ينزعج من التوقف على الإشارة الحمراء وهناك من يعذّب الحيوانات لن يكون لنا وطن ولا مستقبل ولا نستحق أن نعلن إنتماءنا حتّى الصوري للبنان.

وعلى قول المتل، دود الخلّ منه وفيه. يتجرؤون على تهديدنا برواتبنا لأنهم يعلمون أننا لن نفتح فاهاً وهذه التحرّكات إن لم تكن بقيادتهم فبيدهم يشعلونها ويخمدونها لأنّ قادتها مرتهنون لهم.

نحن بعنا كراماتنا، لكنّ الحرّية أكبر منّا ومنهم ولا تباع ولا تشترى.

لم نعد نفهم معناها الحقيقي منذ زمن بعيد. منذ لم تعد فيروز تقف على مسرح بعلبك ومنذ أتعب المرض والعمر ريمون جبارة ومنذ رحل الكبار وأصبح من تبقّى منهم يشحذ الحياة.

وبقينا نحن وتاريخ ما زلنا نتقاتل على حقائقه التي نريد أن نخفيها ونقولبها، لا نتعلّم منه بل نتحمّل نتائجه فقط ومستعدون لإعادة صوره المغمّسة بالدمّ عندما يقنعوننا أن الحاجة تدعو الى ذلك.

فيصوّرون الطائفيّة أرضاً علينا الدفاع عنها، والموت حرّية، والقتل شهامة ورجولة، وتيتيم الأطفال وترميل النساء إنتصار على عدوّك في الوطن وهو في الحقيقة مخدوع مثلك.

لقد تخطينا هامش الفقر الأحمر بأشواط، أحلامنا الكبيرة تحطّمت، شهاداتنا لا معنى لها، طاقاتنا اندفنت، مسؤولياتنا كبرت وأصبح همّنا الأكبر ألا نجوع أكثر. إن لم تكن هذه الأسباب كفيلة بإقناعنا بأنّ من نولّي علينا أفسد منّا ولم تحرّكنا نحو التغيير الحقيقي والإصلاح الفعلي، لأنّه صار بدّها، فلن يطول ما تبقّى من فتات وطن قبل أن يندثر.

اليانا بدران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق