ماذا بعد إسقاط النظام؟

بشهادة العرب والعالم، تُعتبر المسيرة اللبنانية المستمرة لإسقاط النظام ومحاسبة المسؤولين القدامى والحاليين، أكثر التظاهرات تنظيماً وتحضراَ وتعداداً. إنها ذروة الديمقراطية المتحضرة في عصرنا الحديث.

ولكن، ماذا بعد “الشعب يريد إسقاط النظام”؟ لقد نسي المتظاهرون أو تناسوا أن الأوضاع المتردية التي يشكون منها هي وليدة النظام الكسيح الذي أوصلنا إلى هذه الطغمة الحاكمة والتي تكاد تكون نفسها ضحيته، ما يدفع بنا إلى القول: “أغفر لهم يا لبنان، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون!” فلا بد إذن من تحديث الصيغة نفسها قبل الولوج في انتخابات جديدة لأنها سوف تنتج، أيضاً وأيضاً، حكاماً فاسدين. ولنبدأ بالدستور.

دستورنا الذي أنتجه الفرنسيون بمساعدة جهابذة فكر لبنانيين، كان هدفه تخليصنا من الترِكة التي ورثناها عن الأتراك ألا وهي “البرطيل”. لكنه بعد الإستقلال، مرّره زعماؤنا بتعديلات أربعة ليصبح مثالاً للفساد والإفساد كانت على التوالي: تعديل سنة 1927 لإلغاء مجلس الشيوخ، تعديل 1929 للمادة 28 للتشريك بين التشريع والتنفيذ، زيادة عدد النواب من 44 إلى 122، أما الرابعة والأدهى فكانت تعديلات الطائف التي هيأت الوطن لحكم الوصاية.. أو الشرذمة. القضاء على دابر الفساد لا ولن يتم إلا بإلغاء عكسي للمحطات أعلاه، وإعادة تعديل الدستور إلى صيغته الأساسية، بالإضافة لتعديلات في الصيغة لمحو الطائفية عن طريق تسخيرها لخدمة الجميع، وهي: إنتخاب فريق تنفيذي واحد من رئيس جمهورية ماروني ورئيس حكومة سني رأساً من الشعب، ومجلس نواب من 66 نائباُ بالدائرة المصغرة، ومجلس شيوخ من 20 شيخاً وجميعهم بالتناصف الطائفي ولمدة أربع سنوات.

تفاصيل هذه الصيغة تتولاها قيادة الجيش بعد تعيين حكومة مرحلية من الإختصاصيين اللاحزبيين تقوم على تطويرها وطرحها على الإستفتاء الشعبي لتصبح، بعد حيازتها على أغلبية أصوات اللبنانيين، في صلب الدستور النهائي. وهي ليست طائفية كما يبدو للبعض، بل ترياق مستخرج من الفيروس الطائفي يعتمد “التداوي بالتي كانت هي الداء” وتوظيف للطوائفية عن طريق إخضاعها واستخدامها لمجموع الأمة كما يعبّر عنها المتظاهرون في هذه المسيرة الخيّرة.

المهمة ضخمة متعالية كما أنها سهلة دانية، وسيكون من يقوم بها عظيماً في لبنان والعالم وسيكتب التاريخ اسمه بحروف من نور. فها هنا نظام له تحصيناته الدفاعية لمنع التداخلات السلبية سواء من الداخل أو الخارج. إن لبنان المراهقة الذي كانت تحكمه قديماً قناصل الدول ولا يزال لتاريخه “ديزني لند” لسفرائها، آن له أن يُحكم من قبل شعبه، القيًّم الوحيد على مقدّراته. بهذا يصل إلى البلوغ ويجعل من السفراء الذين لا يزالون يتحكّمون به، جمهوراً من المشاهدين!

د.هادي ف. عيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق