مناورة الفساد الدونكيشوتية؟

 

 

هل نصدّق أنّ المعركةَ ضدّ الفسادِ بدأت حقًّا؟ هل ما يحصلُ هو معركةٌ حقيقيّة ضدّ فسادٍ ناخرٍ مفاصلَ الدّولة اللّبنانيّة، أمْ أنّها مناوراتٌ دونكيشوتيّة أبطالُها ومروّجوها من الفاسدين الفاشلين؟ أم، هل دَخَل لبنان مرحلةَ رفع السّقف من قِبَل الإدارة الأميركيّة لاحتضانه حزب الله “الإرهابيّ- الإيراني”؟

بعد تشكيل الحكومة الأخيرة، تتوالى ملفّات الفساد في القضاء وتتشعّب، ولكن لماذا؟ هل هناك أوامرُ خارجيّة بإجراءِ إصلاحاتٍ بنيويّة وإداريّة في دولة لبنان؟ مهما يكن، الإصلاحات الجارية اليوم، هي إنجاز تاريخي، ولكن هناك هدفاً من ورائه لا يزال مستترًا، فليس “حبًّا بسواد أعيُننا” يحصلُ ما يحصل من إصلاحات وملاحقات قانونيّة بحقّ سياسيّين كانوا روّادًا في الفساد المحميّ. ولكنّ السّؤال الذي يطرحُ نفسَه: هل تكثيف الظّهور الإعلامي والتشدّق ضدّ الفساد، ومحاولة استعطاف الرّأي العام، يُعفي صاحبَه من تُهم الفساد؟ هذا السؤال موجّه بالدّرجة الأولى إلى مسؤولي “تيّار الإصلاح والتّغيير”.

أمّا في شأن حضانة “حزب الله”، فأحدُ أسبابه هو الغطاء السّياسي الذي قدّمته له “بقايا المارونيّة السياسيّة” بهدف بلوغ أعلى المستويات في الدّولة اللّبنانيّة. أمّا اليوم فبدأت المعادلة تتدهور شيئًا فشيئًا، وهذا سبب رئيسي بارتباك تيّار “بقايا المارونيّة السياسيّة” داخليًّا، وهذه البقيّة ليست سوى قلّة لا تعبّر عن مجمل طموحات الموارنة وسائر اللّبنانيّين، فهذا ما نقصده بتعبير “بقايا المارونيّة السياسيّة”. ولا بدّ هنا من التأكيد، بأنّ ما من حزبٍ أو تيّار يستطيع أن يطبّع لبنان واللّبنانيّين بثقافته الخاصّة، فاللّبنانيّون هم أحفاد الفينيقيّين الذين أوجدوا الحرف، ويقول عن لبنان المفكّر اللّبناني الكبير ميشال شيحا: “موقع لبنان يطبعه بشخصيّة معيّنة”، والفيلسوف الكندي Marshall McLuhan يقول: “سبب العلْمانيّة في الغرب هم الفينيقيّون”. ويمكننا تأكيد ذلك بشخصيّة الفرد اللّبناني والتي كانت مادّةَ دراسةٍ للكثيرِ من علماء النّفس والإجتماع، فيرون في اللبنانيّ شخصيّةً تحبّ المخاطر، تنتقد باستمرار، تتميّز ببعض الغرور والإفتخار الدّائم وربّما يعود هذا الأمر إلى اكتشاف الفينيفيّين الحرف وانفتاحهم الدّائم نحو الخارج وإلمامهم الثقافي التعدّدي، وهذا سبب رئيسيّ وأوليّ في عدم تمكّن أي حزب مؤدلج وموجّه أن يطبّع جماعةَ اللّبنانيّين بفكر موجّه ومغلق، وأوّل هذه الأحزاب “حزب الله” وما شاكله.

إدمون بو داغر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق