واشنطن وبيروت: قلبي على ولدي…

 

منذ أربعة شهور، أرسلت واشنطن دافيد ساترفيلد، صديق لبنان الصدوق، ليقوم بمهمة ترسيم الحدود البحرية بيننا وبين إسرائيل، حيث نقل إلى المسؤولين اللبنانيين موافقة أمريكية/إسرائيلية على الترسيم المتوازن في وقت واحد بين البر والبحر، تحت سقف زمني للمفاوضات قوامه 6 أشهر. لكن الرئيس بري الذي تولى توجيه هذه المفاوضات قام بشرطين للشروع بها: عدم القبول بالسقف الزمني للمفاوضات بل إبقاؤها مفتوحة حتى التوصل إلى اتفاق لتفادي لجوء إسرائيل إلى المماطلة وتضييع الوقت خلال هذه الفترة، وأن تكون مزارع شبعا داخل هذا الترسيم مع أنها مرتبطة بالقرار 1701.

وبعد رحلات ماراتونية لساترفيلد بين إسرائيل ولبنان وجد الرجل نفسه ينفخ في قربة مثقوبة. بل حتى بعد تعيينه سفيراً لبلاده في تركيا، عاد إلى بيروت قبل تولي منصبه بخمسة أيام لمحاولة أخيرة.. فلعل وعسى، قبل أن يتولى زميله شينكر هذه المهمة، الذي يبدو أنه فشل أيضاً وأصبح ملف الترسيم في خبر كان..

فلماذا شدّد لبنان على مفاوضات مفتوحة مع أن الشهور الستة تكاد تنصرم لصالح إسرائيل؟ أما موضوع مزارع شبعا وإدخالها في هذا الملف فلها قصة ثانية باتت واضحة لكافة اللبنانيين: هذه المزارع كانت دائما سورية بموجب الترسيم الفرنسي مع أن فيها أراض يملكها لبنانيون. عندما انسحبت إسرائيل من الجنوب، إنتهت مهمة حزب الله في استرجاع “الأراضي المحتلة” وبالتالي وضعُه كحزب مسلح يمتثل لدمشق ويُموّل من إيران. فكان لا بد لحافظ الأسد من “بدعة” تُبقي الحزب في مجاله الجهادي بادعائه “الشفهي” أن شبعا وكفرشوبا أراض لبنانية لا يزال يحتلها “العدو الصهيوني”. لقد هلل طيّاب القلوب اللبنانيون لتصريح الأسد وطالبوه وولده من بعده مراراً بإقرار خطي يشرعن هذه الملكية لتسجيلها في مندرجات الأمم المتحدة، ولكن دون جدوى.

إقحام قضية المزارع في ترسيم الحدود البحرية خلق إشكالاً مزدوجاَ. لقد مكّن إسرائيل من تمييع هذا الترسيم وأحبط بالتالي جهود الأمريكيين لإقراره. بالنسبة لحزب الله كانت المزارع تجديد التكليف باستمرارية المقاومة التي تُعتبر العامل الأهم في لعبة الترسيم، حتى لو كانت مصدر عمالة في الجنوب للعديد من أبناء الطائفة الشيعية.

فإلى متى تستمر واشنطن في خدمة قضايانا فيما يبادرها لبنان باللامبالاة. لقد أصبح كالطفل المدلل الذي يرفض تناول الدواء من أمه. منذ أيام قليلة تقدم سفيرها الأسبق في لبنان ونائب وزير الخارجية جيفري فيلتمان بشهادة عن الوضع اللبناني أمام لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب من 15 صفحة فنّد فيها الوضع اللبناني الحالي وأهاب بالأمريكيين لمساعدة هذا البلد الصغير، بأسلوب قد لا يصل إليه أي لبناني مخلص، دون أن يلقى لتاريخه جزاء أو شكوراً.

د.هادي ف. عيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق