…وفي الصرح، دون كيخوتي هوى

 

ما تيّسر لدون كيخوتي ان يقرأ هنري كيسنجر. فهو من سائر المشارق، راح يقارع الوقائع بالاوهام، مستنجداً بمؤتمر دولي. وقد فاته انّ المغارب في سائرها ليست في امرته، يملي عليها ما يبغيه فتستجيب. عكسه هي: تقارع الاوهام بالوقائع، ولا تستميت الّا دفاعاً عن مصالحها، غايتها الأولى.

اعلنها كيسنجر جهاراً في في كتابه “الدبلوماسية”، معترفاً انّ دبلوماسية الأممّ الكبرى انطلقت من مؤتمر فيينا المنعقد بين عامي 1814 و1815، اثر هزيمة نابوليون بونابرت، حيث توزّع الاقوياء المغانم، وقسّموا فرنسا المهزومة، ونصّبوا عليها دمية.

وإذ تغاضى عمداً عن الرجوع الى اتفاقيات ويستفالي الموقّعة في العام 1648 لأنهاء حروب الثلاثين والأربعين عاماً، بتكريس مبدأ سيادة الدول على اراضيها، فقد أغفل عنوة انّ النظام الجديد الذي اعتمده منطلقاً لدبلوماسية المؤتمرات الدولية أينع تضارب القوميات، حتى غدا الشرارة التي منها ستنطلق حربان عالميتان وحروب صغيرة، وصولاً الى تقسيم خرائط العالم مرات، وانتهاءً بحرب باردة اشتعلت عقوداً في مناطق عدة، بينها لبنان، فيما الجبّاران متحالفان واقعياً على تقاسم النفوذ فوق اشلاء الضعفاء.

انا حسبي الاّ اسكت! وكيف لي ان اصمت وتاريخ ارضي مع المؤتمرات الدولية ما دوّن الاّ على حسابها، منذ تحالف فراعنة الكنانة وزبّاء الشام، الى تصارع الاسكندر وشاهينشاه الفرس، وصولاً الى استنجاد البطريرك بولس مسعد بالغرب… فما كانت النتيجة؟ ادخال لبنان في المسألة الشرقية، وهو منها براء، وتقسيم ارضه الى قائمقاميتين، ثم تصغيره الى متصرفية وتعييّن حاكم اجنبي عليه. فكان اول تطاحن ماروني-ماروني، وانطلاق دفعات الهجرة المسيحيّة.

انا حسبي لا سيادة التخاذل، بل شجاعة الاختيار بين وثبة خاوية والثورة الراشدة.

انا حسبي قطيعي الصغير يكون على قمم الدهر، لا ان ينتهي مستوياً في الولاء لأولي الأمر المتقاسمين فلذاته.

لدون كيخوتي سائر المشارق ان يهوي في صرح استجلاب الاوهام الدامية الأثمان… ولي ان اقيم وطني واقع الألوهة!

غدي م. نصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق