الجميع يتجهّز لحرب… التبرير!

يقول المحللون إن الحرب آتية، والجميع في لبنان يتصرّف كمن حجز مقعداً في الصف الأول للتفرّج. فمنذ فتح “حزب الله” جبهة الجنوب في تشرين الأول 23 وحتى تصعيد أيلول 24، دفع اللبنانيون الفاتورة كاملة، وجاء اتفاق 27 تشرين الثاني 24، الذي بصَم عليه الثنائي الشيعي، ليكرّس المعادلة المعتادة: خروقات إسرائيلية يومية من جهة، وسلاح خارج الدولة من جهة أخرى، وبينهما دولة تكتب البيانات.
كلّف الجيش بوضع خطة لحصر السلاح، فانتهت الخطة إلى حيث تنتهي الخطط اللبنانية: في ظلّ “الانقسام السياسي” و”ضعف الإمكانات” لا حول لنا ولا قوة. عذران ممتازان، يصلحان لكل مناسبة، ولا يكلّفان صاحبهما سوى التظاهر بالأسف.
أما الجاهزية، فتقدّر أضرار حروب “الاسناد”، بحسب رئيس وزرائنا بنحو سبعة وعشرون مليار دولار، ولا تزال آلاف العائلات الجنوبية خارج بيوتها. ومع ذلك، تستعد الطبقة السياسية لجولة جديدة بالطريقة نفسها: السلطة تحتمي بقلّة الإمكانات، والحزب يحتمي بالاحتلال، والمعارضون يحتمون بالحياد المتفرّج، والجميع يحتمي بـ”الظروف الدقيقة”. وإذا عجزت الدولة عن احتواء حرب محصورة في الجنوب، فماذا تفعل حين تطال الصواريخ بيروت من جديد، وتتدفق موجات النازحين إلى بلد لا يملك كهرباء لأهله؟
وفي ملف المتفجرات التي يُقال إنها تُنقل بين المناطق، تتكرر الحجج : الجهات الرسمية تلوذ بالصمت أو بتحقيق “مستمر”، والحزب يجيب بأن السؤال بحد نفسه معيب، والمواطن يُطلب منه أن يطمئن. وعبارة “بحسب الخبراء” تبقى أوفر حظاً من الوقائع، لأن الوقائع تحتاج إلى من يجرؤ على إعلانها. ويبقى أهل الجنوب والبقاع والضاحية، الذين دفعوا الكلفة الأكبر، آخر من يُسأل عن رأيه قبل أن يُطلب منه الدفع مجدداً.
الخلاصة أن الكارثة القادمة لن تكون مفاجأة، بل ثمرة تقصير مشترك: جيش بلا موارد يكذب علينا وعلى نفسه، استراتيجية دفاعية موعودة منذ عقود، ودعم دولي معلّق على إصلاحات لم يبدأ أحد بها. والأخطر أن كل طرف يملك جواباً جاهزاً عن سبب عجزه، ولا أحد يملك جواباً عن كيفية تفادي الكأس المرّ.
حين يسقط السقف، لن يُسأل أحد من كان على حق في السجال. سيسألون فقط لماذا كان الجميع منشغلين بتبرئة أنفسهم.
جوزف مكرزل



