المعرفة!

شرط الدبلوماسيَّة الأوَّل، المعرفة. وهي حادَّة. لا تلغي الأحداث ولا التثقيف بها، من أجل العبرة.
إن لم نفهم الدبلوماسيَّة هكذا، نكون على بَلَهٍ مأساويٍّ… وجارحٍ.
مصيبة لبنان أنَّ مسؤوليه، السياسيِّين والروحيِّين، فيما هو ضحيَّة، يتبارزون في التعالي: “باقون على قلوبكم”… “هذا باقٍ الى ما بعد ذاك، ولو أتيا الى جنَّة الحُكمِ سويَّةً”…
حين الجغرافيا الحضاريَّة أظهرت لبنان قيمةً بين الحرب والسلم، لم يجعله مسؤولوه قلعة الفصل بينهما، بل غنيمة إستراتيجيَّةً، منطقةً رماديَّةً.
في هذا اللايقين، يبرع مسؤولو لبنان، الروحيِّون والسياسيِّون، بعكس المنطق. فالمنطق متعدِّد القيم (Many-valued Logic) لا يحصرها في الصدق والكذب وحدهما. وحتَّى المنطق الضبابي (Fuzzy Logic) متعدِّد القيم، يسمح بدرجات للصدق بين صفر وواحد. بهذا المعنى الإستعاري، يُرمون لبنان بحالةٍ لا يجب إجبارها على أن تكون حرباً أو سلاماً ولا حتَّى أمام درجةٍ واحدةٍ بينهما، بل أمام مستويات من اللايقين تتداخل فيها الحرب واللاحرب.
وهنا المفارقة: قد يكون المجموع أقرب إلى الحرب، فيما ليس أيُّ جزءٍ منفردٍ حرباً؛ فالكلُّ لا يُختزَل إلى مجموعِ أجزائه.
وهذه أهمّ خصائص مسؤولي لبنان: بتمسُّكهم بمواقعهم أيَّاً كان إستهداف لبنان مهولاً، هم بلغة الدبلوماسيَّة المعاصرة: تراكم البلاهة أمراً واقعاً (Cumulative fait accompli)، وتطبيعها أمراً معتاداً يكرِّس شلل العتبة في إتّخاذ القرار (Threshold Paralysis) بما يسهِّل لمستهدفي لبنان قضمه فإبادته لا بفعلٍ كليٍّ، بل على النمط المتراكم لسياسيِّيه الذين، بدل صناعة أمرٍ واقعٍ كبيرٍ هو الردُّ الموازي لإستهداف لبنان، يصطنعون سلسلة وقائع صغيرة لا يبرِّر أيٌّ منها منفرداً خوض ثورةٍ لإزالتهم.
وعندما تُجمَع بعد سنوات الجَهلِ، يتبيَّن أنَّ الجغرافيا الإستراتيجيَّة نفسها قد تغيَّرت: زال لبنان، وإنهزمت الدبلوماسيَّة… من دون منازلة.
رواد م. سرمد


