Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

بين إرادة الحياة وتقاعس “القدر”!

عندما انظر الى اهل الجنوب الذين هجّروا قسرًا من ارضهم الطيبة، وباتوا يفترشون شوارع بيروت لاجئين إلى زواياها و أرصفتها، معرّضين لقسوة الأمطار وبرد الشتاء، في مشهد يبعث على الخزي والعار، يغمرني شعور بالأسى والمرارة والغضب الشديد.

هذا المشهد المؤلم ليس سوى امتداد لسلسلة طويلة من المعاناة التي عاشها شعبنا على مرّ العصور. إنني أعود بذاكرتي وفكري إلى الخلف، متأملاً هذا القدر من القهر والحرمان الذي يعيشه شعبنا منذ ولادته وحتى يومنا هذا. أتساءل بمرارة واستغراب: ما هو الشر العظيم الذي ارتكبه أجدادنا، أو أي خطيئة فادحة لم تغتفر بعد، حتى يستمر هذا العقاب الأبدي، وهذا الحرمان المزمن، وكأن لعنة تاريخية تلاحقنا؟ هل قدرنا أن نظل ندفع ثمن أخطاء لم نقترفها، وأن نعيش تحت وطأة الظلم والتهجير والقهر جيلاً بعد جيل؟ إن هذه التساؤلات الوجودية لا تجد لها إجابة شافية، ولا تفسيرًا منطقيًا، سوى أن هناك إرادة ما تتفنن في إبقاء هذا الشعب في دائرة العوز والألم.

هذا التأمّل يعيدني بالفكر إلى القول الشهير للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”. إن هذا البيت الشعري، الذي أصبح شعاراً للنهضة والتغيير والثورة في العالم العربي، قد أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الدينية والاجتماعية. بعض من يسمونهم “علماء في الدين” قد اعتبروا هذا القول كفراً كونه “يبدّي” أو يقدّم إرادة الشعب على إرادة الله. وكأن الله، هو الذي يريد لنا أن نعيش هذه المأساة الدائمة من الفقر، والظلم، والتخلف، والاستبداد.

يبقى السؤال : هل فقد شعبنا الرغبة في العيش الكريم، أم أن القدر يخالف إرادته ؟ وكما انني لا اؤمن بالقدر كحتمية مطلقة، أرى ان شعبنا لم يقم بالجهد الكافي والضروري لتذليل العقبات وتسهيل الأمور على هذا “القدر” المزعوم، كي يحقق أمانيه بالخلاص والنهوض. بل اختار الاستزلام لعصابات تنحره على مذبح الطائفية، وتبيعه بأبخس الأثمان. وهو يرى في جلاديه منقذين له. من هنا يمكننا القول إن شعبنا أراد الموت، فاستجاب له القدر.

جوزف مكرزل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى