قلق على الأمن والكيان!

الحادث الأمني الذي أدى إلى مقتل جندي فرنسي من القوات الدولية وجرح ثلاثة آخرين، توفي أحدهم فيما بعد، لم يكن مجرّد حادث عابر في منطقة اليونيفيل بل أتى ليؤكّد كم الفوضى التي يعيش في خضمّها لبنان. إنها فوضى شاملة تتجاوز الجغرافيا لتطال صلب المؤسسات والكيانات. فوضى أمنية تترجم بغياب سلطة الدولة، وفوضى سياسية ناتجة عن التخوين والتعطيل والتشرذم الطائفي، وفوضى اجتماعية واقتصادية أوصلتنا إلى شفير الهاوية. وما هو أخطر، بروز مؤشرات عن فوضى داخلية في الكيانات، حتى الأكثر انضباطاً من بينها كالحزب الإلهي، الذي بدأ يوحي في تصرفاته الميدانية وكأنه تحوّل إلى مجموعات متناثرة تعمل خارج إطار التنسيق المركزي المعتاد، وبتنا نشاهد تصريحات من مسؤولين حزبيين يبادرون بإطلاق مواقف تتناقض والقرار الرسمي.. وفي المقابل مجموعات مدسوسة، هدفها إثارة الفتن. هذا تحديداً ما يثير فينا التخوّف من اندلاع موجات عنف وعمليات اغتيال عشوائية، تجري خارج نطاق حزبي واضح ومن الصعب تحديد مصدرها.
تدمير دول بأكملها وسقوط عشرات آلاف الضحايا قد يمرّان أحياناً مرور الكرام، بينما قد يغيّر اغتيال فرد واحد مسار التاريخ برمّته. هذا المشهد تكرر في لبنان مراراً، واليوم نجد أنفسنا مجدداً أمام هذا الخطر الداهم. عمل أمني واحد كفيل بنقلنا إلى واقع أكثر تعقيداً، ويدخلنا في دوامة أزمات تنهك مناعة الوطن وتشتت شعبه لدرجة تهدد وجوده. يدرك أعداؤنا نقاط ضعفنا، أهمها اهتزاز إيماننا بالقدرة على العيش المشترك كشعب واحد في وطن موحّد. هذا التشرذم هو السلاح الذي يستخدمه الأعداء لتفريقنا، ليس بهدف السيطرة فحسب، بل سعياً للاستيلاء على كياننا.
مقابل هذا الواقع الأليم، اسطورة تواكبنا منذ أن دوّن إسم لبنان في الكتب المقدسة للديانات الثلاث، تشبّهنا بطائر الفينيق الذي يعيد تكوين نفسه من الرماد. هي أعجوبة لبنان الأزلي التي تنقذنا كل مرة من تدميرنا الذاتي. آملين أن لا تنسانا هذه المرّة.
جوزف مكرزل



