منطقة حرّة..من السيادة!

يُجمع العالم، وواشنطن في طليعته، على رفض ضمّ إسرائيل “المنطقة العازلة”. لكن لا تسارعوا إلى الاطمئنان، فالمسألة لا علاقة لها بسيادة لبنان، فهذه آخر ما يشغل بال الكبار. الحكاية أن الدول العظمى اتفقت بعد رسم الحدود العالمية على قاعدة بسيطة: من يعبث بحدود دولة واحدة قد يُشعل حرائق لا تنطفئ. فالهدف حماية النظام الدولي من الانهيار، أما الخريطة اللبنانية فتستفيد بالمصادفة، كراكب مجاني في قطار لم يُدعَ إليه.
وفي المقابل، الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في الجنوب مسألة غير واردة. وهنا يبرز الإبداع الدبلوماسي: كيف نرفض الضم ونرفض الانسحاب في آن واحد؟ الجواب في كواليس القرار: احتلالٌ فعلي بلا تعديل في الخطوط الرسمية. الخيار الأول أميركي: منطقة صناعية حرة تحت إشراف دولي، يستفيد لبنان اقتصادياً منها وهو مجرّد من حق التصرف بها، أشبه بمن يُمنَح مفتاح بيته ليشاهده من الخارج. والخيار الثاني نتنياهوي: مستوطنات لفئات محددة يمكن “دمجها” في البيئة اللبنانية عبر الانتماءات الطائفية، وهي وصفة نعرف كيف نُحسن تنفيذها. والنتيجة واحدة: لبنان باقٍ على الخريطة، والدولة غائبة عن أرضها.
أما رجال الأعمال، كعادتهم أسرع من الخبر: يتسابقون على شراء عقارات “المنطقة العازلة” قبل الإعلان الرسمي، وكأن أحداً سرّب إليهم نشرة الصفقة قبل طبعها. فيما الأوروبيون يعارضون المقترحين، وإن مال بعضهم إلى الصيغة الأميركية لأنها “ألطف”: تسلب الأرض دون أن تقتطعها رسمياً.
وهذا ليس ابتكاراً جديداً، فقد جرّب ترامب أفكاراً مشابهة في غزة بوقاحة أكبر ونتائج أقل، ويلوّح بمثلها في أوكرانيا، معتبرا انه “مربح للجميع” : اسرائيل تحظى بمنطقة عازلة على حدودها، الدولة اللبنانية تحافظ على حدودها، والمالكون يحظون بمردود جيد مقابل عقود استثمار أراضيهم.
هل ينجح المشروع في لبنان؟ الأمر لا يتوقف على واشنطن ولا تل أبيب، بل علينا: أن ندرك أن الوطن أغلى من أوهام النفوذ الداخلي، وأن التفاهم بيننا أجدى من الارتهان للخارج. وإلا خسرنا الأرض والوجود معاً. كلنا يعني كلنا… هذه المرة فعلاً.
جوزف مكرزل



