وعود أممية دون حلول حقيقية!

في كل موسم يتكرر المشهد ذاته: رئيس لبناني يتسلّق المنبر الأممي، يتحدث عن معاناة بلد “يستحق الدعم”، يذكّر العالم بأزماته المتراكمة، يطالب بالسيادة وكأنها تأتي من الخارج، ويستجدي المساعدات والدعم.
لم يفهم مسؤولينا أن المجتمع الدولي، الذي يواجه اليوم أزماته الخاصة من حروب وتضخم واضطرابات اقتصادية، لم يعد يستمع بالتعاطف ذاته الذي حظي به لبنان في السنوات الأولى من انهياره. فالدول المانحة، والمؤسسات المالية الدولية، لم تعد تكتفي بالخطابات العاطفية عن “الصمود اللبناني”، بل تطالب بخارطة طريق واضحة للإصلاح: إصلاح القطاع المصرفي، معالجة ملف الودائع المنهوبة، إقرار موازنات شفافة، مكافحة الفساد، إصلاح القضاء ليكون مستقلاً فعلاً لا شكلاً، كما المؤسسات الحيوية من كهرباء وماء وغيرها المزمنة. أي من هذه الملفات أنجزت؟ أما ملف حصر السلاح فهو الأخطر داخليا والاكثر اصرارا خارجيا، ولن يساعدنا احد عسكريا. كثيرون ينتظرون اسرائيل “لانهاء المهمة” لكنها لن تفعل. ستؤمّن المنطقة العازلة وتضرب الحزب عن بعد وتقول لنا “هذه مشكلتكم ليس مشكلتنا” كما جرى في السابق.
لا يمكن إنكار أن لبنان يواجه ظروفاً إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وأن جزءاً من أزماته مرتبط بعوامل خارجة عن إرادته المباشرة. كما أن المطالبة بالدعم الدولي ليست عيباً بحد ذاتها. لكن الفارق أن الدول الجادة تقرن طلب الدعم بإنجازات ملموسة، ولا تكتفي بالشعر والوصف والندب.
الشروط الدولية ليست وليدة اللحظة، بل تتردد بانتظام منذ مؤتمر باريس الأول دون أن تحوّلها أي سلطة متعاقبة إلى تدابير عملية. لذلك سيعود رئيس الحكومة من المحافل الدولية مزوداً بالوعود والمساندة المعنوية، لكنه مجرّد من أي أدوات أو حلول حقيقية. المافيا المتحكّمة هي المستفيد الأول من استمرار الفوضى وغياب الشفافية.
المطلوب ليس المزيد من الخطابات على منابر العالم، بل خطوات فعلية تُعيد بناء الثقة، محلياً قبل أن تكون دولياً. فالعالم لم يعد قادراً ولا راغباً في تمويل استمرار نظام يرفض إصلاح نفسه. وحين يطلب رئيس الحكومة من المحافل الدولية دعما، فإنه يطلب أن يثقوا بوعود لم تُترجم أفعالاً محلياً.
جوزف مكرزل



