“تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح”!

أخذَ يعلو صوت الكنيسة بشخص ممثّل المسيح على الأرض البابا لاوون الرابع عشر الذي انتُخب في الثامن من أيّار 2025، وقد اتّخذ لحبريّته اسم البابا السابق لاوون الثالث عشر، والذي كما نعلم هذا الأخير، شاهد رؤيا وهو أمام المذبح بعد الذبيحة الإلهية في كنيسته الخاصة في الفاتيكان مفادُها وقوع البشرية في تجارب الشرير ومحاولة هذا الأخير التملّك منها لمدّة 100 عام، وعلى أثر ذلك دخل مكتبه وكتب صلاةً للقديس ميخائيل وطلب من أساقفة العالم توزيعَها على رعاياهم وتلاوتها بعد كلّ قدّاس. (على ما ذكرنا في مقالة سابقة يوم انتخاب البابا الحاليّ، 9 أيّار 2025).
وها هو اليوم، البابا لاوون الرابع عشر، وعلى مثال خلفه لاوون الثالث عشر يرفع صوته بوجه نُخب الشر الذين يعيثون فسادًا في العالم متوجّهًا إليهم بقوله: “يتم تخريب العالم على أيدي مجموعة صغيرة من الطـغاة ويتظاهر أسياد الحرب بعدم معرفتهم أنه لا يستغرق سوى لحظة واحدة لتدمير شيء ما، لكن غالبًا لا تكفي حياة كاملة لإعادة بنائه”. (قناة الأولى العراقية 2026).
يظهرُ جليًّا من خطابات البابا لاوون الرابع عشر، أعلى سلطة على الأرض بعد السيّد المسيح، وهو بطبيعة سلطته، لا سلطة لدونالد ترامب عليه ولا لنتنياهو ولا لفلاديمير بوتين ولا لفولديمير زيلنسكي وسواهم من حثالة وشراريب نخبة رافضة للحياة، يظهرُ جليًّا أنّه يعلنُها حربًا على كلّ برامج نخب الظّلام ويفضح أعمالهم، والذين لطالما وكلّما توجّه أحدُ المتنوّرين بانتقادهم اتُهم بتبنّي نظرية المؤامرة. وها هو أعلى سطلة روحيّة للكنيسة الكاثوليكية التي تشكّل ثقلاً لاهوتيًا وعلميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا في العالم، يفضح ويؤنّب نخبة الأشرار لأعمالهم الماكرة واستعبادهم البشريّة.
في زمنٍ تكثر فيه الإيماءات الفارغة، ذكّر قداسة البابا لاوون الرابع عشر العالمَ بماهية التأثير الحقيقي لدور الإنسانية.
لقد أذهل قداسته النخب العالمية بخطابٍ مؤثر، وبادرةِ سخاءٍ مُذهلة، خلال حفل “السجادة الحمراء” في لوس أنجلوس حضره نخبةٌ من أصحاب المليارات، وكبار المديرين التنفيذيين، ونجوم هوليوود، حيث اعتلى البابا المنصة ليتسلّم جائزة الإنجاز مدى الحياة وبدلاً من إلقائه خطاب شكر تقليدي، خاطب الحشد الكبير بحزم وكأنه ينتهرُهم:
(…)” نحتفل تحت هذه الأضواء بينما في الخارج يكافح الكثيرون من أجل البقاء. فإذا وصلت منصتك إلى الملايين والتزمت الصمت من أجل من لا يُسمع صوتهم، فأنت لا تخدم الإنسانية، بل تُضخّم الضجيج فقط (…)”. وقد ساد الصمتُ القاعةَ تمامًا. ثم تابع حديثه بهدوءٍ وثبات، يحملُ صوتُه ثقل عقودٍ من النضال ضد الظلم والدعوة إلى الرحمة: “عندما تمتلك أكثر مما تحتاج، يتوقف الأمر عن كونه ملكًا لك وحدك، لأن مسؤوليتك تصبح مساعدة من لا يزالون يكافحون في قاع المجتمع (…)”.
ثم جاء الجزء الذي أذهل الجميع. وفي الليلة نفسها، أعلن البابا أنه سيُخصّص جميع عائدات مبادرات الكنيسة العالمية القادمة، والحملات الإنسانية الكبرى التي يدعمها الفاتيكان، وجزءًا كبيرًا من أصول المؤسسة، والتي تُقدّر بنحو 160 مليون دولار، لبرامج صحة المرأة، وجهود العمل المناخي، والفرص التعليمية للأطفال المحرومين في جميع أنحاء العالم. وكانت كلماته الأخيرة بمثابة بيان ختامي: “لا يُقاس الإرث بما تحتفظ به، بل بما تُقدّمه لتغيير حياة الناس.”
توازيًا، وفي منعطف تاريخيّ يضعُ مستقبلَ العائلة البشرية على محكّ التحوّل الرقميّ الكبير، صدرت يوم الإثنين ٢٥ أيار/مايو ٢٠٢٦، الرسالة العامة الأولى للحبر الأعظم البابا لاوُن الرابع عشر، والتي جاءت تحت عنوان “الإنسانية الرائعة” (Magnifica Humanitas) “حول حماية الشخص البشري في زمن الذكاء الاصطناعي”. وتأتي هذه الوثيقة التعليمية المرجعية، المتألفة من خمسة فصول، لتعيد قراءة “الشؤون الحديثة” لعصرنا في ضوء الإنجيل، واضعةً العالم أمام خيارٍ حاسم: إمّا تشييد برج بابل جديد يقوم على الأنانية، أو بناء المدينة المشتركة التي يسكنها الله والإنسان معاً.
وفي الفصل المحوري المتعلق بالذكاء الاصطناعي، يوجه الحبر الأعظم نقداً لاذعاً لـ”النموذج التكنوقراطي” ونظريات “ما بعد الإنسانية” التي تسعى لإلغاء الحدود البشرية، موضحًا أن الهشاشة والمحدودية هما المساحة التي تنضج فيها العلاقات والتعاطف الذي تفتقر إليه الآلة الصماء. ومن هذا المنطلق، يُطلق البابا نداءً لـ”تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح”، لانتشاله من منطق التنافس العسكري والاقتصادي، وصياغة مدونة أخلاقية كونية، من دون إغفال الأثر البيئي المدمر لاستهلاك التقنيات الحديثة للطاقة والمياه.
إدمون بو داغر



