Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

مِنَ الإبنةِ البكر إلى الإبنة الضالّة!

ماذا بقي من “الإبنة البكر للكنيسة”؟

فرنسا التي استقبَلَت البابا لاون الرابع عشر بين 25 و28 أيلول 2026، هي فرنسا الجمهورية العلمانية، التي جعلت من العلمانية(Laïcité) مبدأً أساسيًّا في نظامها السياسيّ. وهذا واقع لا يحتاج إلى إنكار. وقد حوّلَت معظم كنائسها وكاتدرائيّاتها أيْ تاريخها العريق إلى متاحف ومقاهٍ، وقد أطفأت الأنوار في معظم الكاتدرائيّات. لكن فرنسا هي أيضًا تلك البلاد التي ارتبط تاريخها وثقافتها وحضارتها لقرون طويلة بالمسيحية والكنيسة، حتى حملت في التقليد الكنسي لقب “الابنة البكر للكنيسة.”

لقد تجلّت السلبيات والآثار التي أحدثتها العلمانية الفرنسية (اللائكية) ضد الكنيسة والمسيحية في فرنسا مع تأثيرها على الدول الأوروبية المجاورة، في تحولها التاريخي من مجرد مبدأ لفصل الكنيسة عن الدولة إلى أيديولوجيا تُتهم أحيانًا بالعداء التام للمسيحية فقط من بين الأديان، وإقصاء الهوية التاريخية للمجتمع الفرنسيّ.

لقد نشأت العلمانية الفرنسية تاريخيًّا نتيجةَ صراعٍ حادّ وشرسٍ ضد هيمنة الكنيسة الكاثوليكية التي كانت متحالفة مع الملكية والنظام القديم. ولكن هذا لا يبرّر النّهج العدائيّ الذي بلغته العلمانية الفرنسية التكفيرية ضدّ كلّ من يُمارس مسيحيتّه علنًا، في حين أنّها لا تُظهرُ هذا العداء ضدّ الديانات الأخرى. (الوقائع والمستندات متوفّرة). وهذا ما حوّل هذه العلْمانية التي فقدت أهدافَها الأصلية إلى أيديولوجيا متزمّتة، غير أنّها أخذت تتلاشى حاليًّا، والقيّمون على هذه العلْمانية في الدولة الفرنسية، يفتّشون على مخرج آمن ليُعدّلوا على نصّها الذي أخذت بنوده تتلاشى.

وتتمثل أبرزُ الجوانب السلبية لهذا المشروع في كونه لم يكتفِ بتنظيم المجال العام، بل امتد ليعرقل الحضور المسيحي عبر الآتي:

إقصاء الجذور الجغرافية والتاريخية وإلغاء مركزية القيم الأخلاقية المسيحي: يرى منتقدو العلمانية الفرنسية، ومنهم سياسيون فرنسيون ومفكرون، أنها تحاول قطع صلة فرنسا عن جذورها المسيحية الكاثوليكية؛ مما أدى إلى نوع من “التيه الثقافي” وضياع المعنى والهوية المجتمعية المشتركة. وقد نجحت بنسبة 95%. لنسأل أنفُسَنَا عن مشهَدَيْن يحملان دلالة هامّة، الأوّل مرئيّ والآخر غير مرئيّ:

المشهد االمرئيّ كان في Stade de France نحو 80 ألف شاب وشابة، بين 17 و35 عاماً، امتلأ بهم الملعب للقاء البابا والصلاة والاستماع إليه. وتؤكدVatican News أن الملعب، الذي يتسع لـ80 ألف شخص، كان ممتلئاً عن آخره في ذلك اللقاء .ثمانون ألف شاب! هنا تتوقف بعض النظريات أمام الواقع. وبحسب الوكالة الوطنيّة للإعلام: “هؤلاء ليسوا رجالاً ونساءً عاشوا في فرنسا القديمة. هؤلاء شباب فرنسا اليوم.جيل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعولمة، جيل وسائل التواصل الاجتماعي، جيل وُلد في الجمهورية العلمانية، ومع ذلك اختار عشرات الآلاف منه أن يمضي مساءه في ملعب مكتظ ليستمع إلى رأس الكنيسة ويصلي معه.”

أمّا المشهدُ الثاني غير المرئيّ، فيطرأ باسئلته على مخيّلة البعض أو العديدين: إذا كان قد شارك حوالى 80 ألف أو مليون شخص في فرنسا في زيارة الحبر الأعظم، فأين الـ67 مليون نسمة الآخرون؟ على الأقل أين هو ثلث العدد؟ (إذ يبلغ عدد سكان فرنسا حوالي 68.6 مليون نسمة وفقًا لأحدث الإحصاءات الرسمية لعام 2025 ). ولا شكّ أنّ العدد الأكبر من المشاركين في لقاء البابا هذا ليسوا من الفرنسيين، فجزء كبير منهم أتَوا من دول مختلفة من الشرق والغرب. ألا يثبّت هذا الواقع قول البابا القديس يوحنا بولس الثاني عندما زار فرنسا في 1 يونيو 1980، وتحديدًا أثناء إلقاء عظته في القداس الحبري الذي أقيم في “لوبورجيه(Le Bourget) ”قرب باريس، متوجّهًا للدولة الفرنسية والفرنسيين أنفسهم: “فرنسا فرنسا، ماذا صنعتِ بمعموديّتك”؟ ولازال هذا القول ساري المفعول إلى اليوم، علمًا أّن عدد المهتدين إلى المسيحية اليوم يزداد ولكن بشكلٍ خجول.

إدمون بو داغر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى