الإستعداد لسيناريو “ظلام الإنترنت”!
هل سنعود إلى العصر الحجريّ أو أقلّه إلى العصور البدائيّة؟

أجل. الاعتقاد بأن العالم قد يعودُ إلى النهجِ البدائيّ أو تكنولوجيا السبعينات والثمانينات بعد انهيار النظام العالمي أو حدوث حربٍ كونية هو سيناريو شهير، وله جذور عميقة في الأدبيات السياسية، والاستراتيجيات العسكرية، وروايات الخيال العلمي.
من أشهر المقولات التي تُجسد هذا الطرح هي مقولة عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين: “أنا لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة”.
لتحليل هذا الاعتقاد بشكل موضوعيّ، يمكن تفكيكه إلى ثلاثة مساراتٍ تفسّرُ كيف ولماذا يرى الخبراء والمحلّلون إمكانية حدوث هذا التراجع التكنولوجي واللوجيستي:
أوّلاً، تأثيرُ “النبضِ الكهرومغناطيسي” (EMP) والحروب السيبرانية الشاملة
السبب الأكثر واقعية من الناحية العلمية والعسكرية للعودة إلى تكنولوجيا السبعينات أو الثمانينات هو سلاح “النبض الكهرومغناطيسي.” فما هي نتائجه على الأرض والمجتمعات؟
- تدمير أشباه الموصلات والرّقائق الإلكترونية التي تحرّك التكنولوجيا الرقميّة: إذا استُخدمت أسلحة نووية في الغلاف الجوي، أو نُفذت هجمات سيبرانية وفيزيائية مدمرة لشبكات الطاقة، فإنها ستؤدي إلى احتراق فوري لجميع الرقائق الإلكترونية الحديثة وأشباه الموصلات الحساسة التي تدير عالمنا اليوم.
- الاعتماد على الأنظمة “المجمّدة”: التكنولوجيا الحديثة (الذكاء الاصطناعي، الهواتف الذكية، الحوسبة السحابية) تعتمد على بنية تحتية فائقة الحساسية. في حال انهيارها، ستجبر الجيوش والمؤسسات على العودة إلى الأنظمة التناظرية (Analog)، والمحركات الميكانيكية البسيطة، وأجهزة الراديو ذات الموجات القصيرة، وهي تحديدًا تكنولوجيا حقبتي السبعينات والثمانينات التي تمتاز بقدرتها العالية على الصمود في ظروف الحروب النووية لأنها لا تعتمد على المعالجات الدقيقة الذكية.
ثانيًا، انهيار سلاسل الإمداد المعقدة (المشكلة اللوجيستية)
عالم اليوم مترابط بشكل يصعب تصديقه؛ فصناعة هاتف ذكي أو طائرة حديثة تتطلب قطعًا تُصنع في 50 دولة مختلفة وتعتمد على مواد خام من أفريقيا، ورقائق من تايوان، وبرمجيات من أمريكا. وفي حال وقوع حرب كونية ضارية، فما ستكون النتائج في هذاالسياق؟
- الارتداد إلى المحلية: في حال حدوث حرب كونية وسقوط النظام العالمي، ستتفتت التجارة الدولية. لن تكون أي دولة قادرة على تصنيع تكنولوجيا “الجيل الخامس” أو “الذكاء الاصطناعي” بمفردها. ونتيحة لذلك، ستضطر المجتمعات إلى إعادة إنتاج التكنولوجيا التي يمكن صناعتها محلياً وبأدوات بسيطة، مما يعيد الإنتاج الصناعي عقودًا إلى الوراء، حيث كان الاعتماد أكبر على الموارد المحلية والصناعات الثقيلة التقليدية.
ثالثاً، سيناريو “النهج البدائي” (الانحلال المدني والبيئي)
إذا كانت الحرب مدمرة لدرجة القضاء على المراكز الحضرية الكبرى والمؤسسات التعليمية والعلمية، فسنكون أمام سيناريو “الشتاء النووي” أو الانهيار البيئي والمجتمعي الكامل، والنتائج قد تكون على الشكل الآتي:
- فقدان المعرفة التراكمية: المعرفة البشرية اليوم مخزنة على خوادم رقمية (Cloud). إذا اختفت الطاقة واختفت هذه الخوادم، وماتت النخب العلمية، ستفقد البشرية جزءاً هائلاً من معرفتها التطبيقية.
- الصراع من أجل البقاء: ستتحول الأولويات البشرية من التطوير التكنولوجي إلى البحث عن الماء والغذاء، والأمان الأساسي. هذا التحول يعيد المجتمعات تلقائيًّا إلى العصر البدائيّ أو الزراعيّ التقليدي، حيث تصبح القيمة الكبرى للزراعة اليدوية والمقايضة والقبيلة أو الجماعة الصغيرة لحماية الأنفس.
مفارقة “التكنولوجيا المجمّدة“
هناك فرضية مثيرة للاهتمام تشير إلى أن الجيوش الكبرى (مثل أمريكا وروسيا والصين) تتعمد الاحتفاظ بتكنولوجيا السبعينات والثمانينات “مجمّدة” وفي حالة جاهزية (مثل الطائرات بدون إلكترونيات معقدة، وأنظمة الاتصال السلكية، والخرائط الورقية، والغواصات التناظرية). هم يفعلون ذلك إدراكًا منهم بأن التكنولوجيا الحديثة ستكون أول ما يسقط في أي مواجهة كونية، وأن النصر في النهاية قد يكون حليف من يمتلك أفضل تكنولوجيا “قديمة وبسيطة” غير قابلة للاختراق أو التعطيل عن بُعد.
باختصار، العودة إلى الماضي التكنولوجي ليست مجرد فرضية تشاؤمية، بل هي نتاج طبيعي لمدى هشاشة التكنولوجيا الحديثة واعتمادها المطلق على الاستقرار العالمي والطاقة. عندما يسقط النظام الذي يحمي هذه الهشاشة، يعود الإنسان فورًا إلى نقطة الارتكاز الأكثر أمانًا واعتمادية في تاريخه القريب أو البعيد.
هذا التصور يفتح الباب لسيناريوهات متعددة حول شكل المجتمعات المستقبلية. إذا أردت. والأسئلة الجدلية التي تطرحُ نفسها هي:
كيف تستعد الجيوش الكبرى حالياً لسيناريو “ظلام الإنترنت”؟ ما هي الدول أو المناطق الأكثر تأهلاً للنجاة بفضل طبيعتها البدائية أو شبه البدائية؟ وكيف يرى علماء الاجتماع شكل النظام الإنساني (القبلي أو المحلي) بعد سقوط الدولة المركزية؟
إدمون بو داغر



