النظام العالمي يطلب “ريستارت”!
عندما تقرر القوى الكبرى الانتحار هربًا من فواتير الديون!

لا نتكهّن عندما نتحدّث عن سقوط النظام العالمي الحالي أو أفول نجم القوى الكبرى، بل هو مسار تاريخي تحركه مجموعة من الأحداث والتحولات العميقة التي بدأت تتشكل ملامحها بوضوح في السنوات الأخيرة.
يمكن تلخيص أبرز هذه الأحداث والمؤشرات المؤلمة والحاشدة بالتحولات والتي تُنذر بتصدع النظام العالمي أحادي القطب وصعود عالم متعدد الأقطاب في النقاط التالية:
أوّلاً، الصراعات العسكرية المباشرة وحروب الوكالة.
- الحرب الروسية الأوكرانية: شكلت هذه الحرب نقطة تحول مفصلية، حيث كشفت عن عجز المنظومات الدولية وتحديدًا مجلس الأمن عن منع الصراعات الكبرى، وأظهرت تحديًا علنيًا ومباشرًا من روسيا للنظام الأمني الأوروبي والأمريكي.
- التصعيد في الشرق الأوسط: الحروب والأزمات المتتالية في المنطقة أكدت تراجع قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على فرض الاستقرار أو إيجاد حلول مُستَدَامة، مما فتح الباب لقوى إقليمية ودولية أخرى لتعزيز نفوذها.
ثانيًا، التنافس الاقتصادي الصاعد وصعود “بريكس” (BRICS).
- الصعود الاقتصادي والتكنولوجي للصين: لم تعد الصين مجرد “مصنع للعالم”، بل أصبحت منافسًا تكنولوجيًا وعسكريًا واقتصاديًا شرسًا للولايات المتحدة، وتحديدًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه المواصلات، والطاقة المتجددة.
- التخلي عن الهيمنة الدولارية (De-Dollarization): بدأت دول عديدة (مثل الصين، روسيا، الهند، ودول في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية) في اعتماد العملات المحلية في تبادلاتها التجارية. تراجع سطوة الدولار يعني تراجع أهم أدوات الضغط والسيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالميّ.
- توسع تحالف بريكس: انضمام قوى اقتصادية ونفطيّة جديدة للتحالف يمثل رغبة جماعية من “الجنوب العالمي” في خلق نظام مالي وسياسي موازٍ لا يتحكم فيه الغرب.
ثالثًا، الأزمات الداخلية للمجتمعات الغربية (التآكل من الداخل).
- الاستقطاب السياسي الحاد: تعيش القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، حالة من الانقسام السياسي والمجتمعي غير المسبوق (يمين متطرف ضد يسار، أزمات الهوية، والثقة في المؤسسات الديمقراطية).
- أزمات الديون والتضخم: تعاني قوى كبرى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا من مستويات قياسية من الديون السيادية، مما يحد من قدرتها على تمويل نفوذها الخارجي أو الحفاظ على رفاهية مجتمعاتها..
رابعًا، صعود “الجنوب العالمي” ورفض التبعية.
- تزايدت النبرة السياسية الرافضة لـ “المعايير المزدوجة” التي يمارسها النظام الغربي في التعامل مع القضايا الدولية. دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا بدأت تبحث عن مصالحها الخاصة عبر بناء شراكات متنوعة (مع الصين وروسيا) بدلاً من الانصياع للإملاءات الغربية التقليدية.
خامساً، ثورة الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية.
- لم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات فقط؛ فالقوة السيبرانية والقدرة على التحكم في تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي أصبحت ساحة المعركة الحقيقية. تفوُّق أو حتى تساوي قوى ناشئة مع القوى التقليدية في هذه المجالات يسحب البساط من تحت أقدام الأمم التي هيمنت طويلاً.
في المحصّلة، يعلّمنا التّاريخ أن “الدورات الحضارية” والأمبراطوريات لا تسقط بين عشية وضحاها، بل تمر بمرحلة تصدع تدريجي. ما نشهده اليوم ليس بالضرورة “نهاية العالم”، بل هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، حيث تتوزع القوة والثروة بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال، مما ينهي حقبة “القطب الواحد” التي استمرت منذ نهاية الحرب الباردة.
إدمون بو داغر



