Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

حين تصبح الكراهية نظام حكم!

شهدت بألم شديد النقاش الحاد بين مارسيل غانم وبولا يعقوبيان، وهما صديقان عزيزان على قلبي. وبت أتساءل لماذا يصل الانسان الى هذا المستوى من الكلام الجارح، بل الى هذا المستوى من الكراهية؟ والحقيقة أن هذا السجال ليس حادثة عابرة، بل عيّنة من سياسة تقتت على جميع المستويات. وما يُسمّى عندنا “نقاشاً سياسياً” صار مبارزة لفظية لا تبحث عن حلّ، بل عن إسقاط الخصم.

والسبب أعمق من طباع الأفراد. فالنظام الطائفي الذي قام على المحاصصة منذ الطائف، بل قبله، يجعل الزعيم حارساً لطائفته لا ممثلاً لمواطنيه. وشرعيته تُستمدّ من تخويف جمهوره من الآخر، فلا مصلحة له في المصالحة ما دام الخوف هو رأسماله الانتخابي. وهكذا يُعاد إنتاج الانقسام في كل استحقاق، من قانون الانتخاب إلى التعيينات، ومن الموازنة إلى الحكومة المعطّلة.

والإعلام شريك في هذه الدائرة. فالمحطات المرتبطة بالأحزاب والتمويل السياسي تكافئ الصراخ بالنسب المرتفعة، وتجعل من الحلقة الحامية أداة تعبئة. أما الحقيقة والحوار الهادئ فلا مكان لهما في سوق تحكمه الإثارة.

قال الفيلسوف الفرنسي روسو إن “الإنسان طيّب بطبيعته والمجتمع هو الذي يفسده”، ولبنان السياسي أصدق مثال على ذلك. والبرهان أن اللبناني المغترب، المتحرّر من هذه المنظومة، يلتقي أخاه بالمحبة ويختلف معه دون ضغينة. ما يعني أن العلّة ليست في الشعب بل في البنية التي تحكمه: دولة لا تحمي مواطنها فيلجأ إلى طائفته، ومؤسسات معطّلة فيحتمي بزعيمه.

وبعد الانهيار المالي وانفجار المرفأ، لم تتغيّر المعادلة: الطبقة نفسها تتبادل الاتهامات وتتقاسم الحصص، والمواطن وحده يدفع الثمن. علّمنا التاريخ أن الحروب الطائفية هي الأشدّ فتكاً، فإن العنف الكلامي على الشاشات ليس سوى بروفة لها.

الخروج من المسار الكارثي يمرّ بدولة مواطنة تُحاسب ولا تُحاصص، وبقضاء سيّد مستقل، وبإعلام يحاور لا يحرّض. دستورنا قالها في فاتحته: الشعب واحد والوطن واحد. فلنحوّلها من شعار في الخطب إلى مسؤولية تُحاسَب عليها السلطة، قبل أن نطلب من الناس أن “يحبّوا بعضهم”، او على الأقل ان لا يكرهوا بعضهم لأن الكراهية أصبحت المعيار.

جوزف مكرزل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى