“مصدر رفيع”!

درجت العادة أن يلجأ السياسيون إلى الإفصاح عن مواقفهم بصورة غير مباشرة عبر أدوات التسريب المختلفة، وعلى رأسها الوسائل الإعلامية، وذلك بالتلطّي خلف كلمة “مصدر”. وغالباً ما تُرافق هذه الكلمة مرادفات من باب التنويع أو إضفاء الأهمية أو التلميح، فتصبح مثلاً: مصدر مسؤول، مصدر مُطّلع، مصدر مُقرّب، مصدر مُراقب، مصدر فائق الحساسية، مصدر رفض الكشف عن اسمه، مصدر معني، مصدر إعلامي، مصدر أمني، مصدر عسكري، مصدر استخباراتي، مصدر رفيع المستوى، مصدر أمين، مصدر واسع الاطلاع، مصدر موثوق، مصدر رئاسي، مصدر حكومي، مصدر ديبلوماسي، مصدر حزبي، مصدر مواكب، مصدر مشارك، مصدر متابع، مصدر على صلة بكذا…
ببساطة، يلجأ السياسيون إلى “شوطة سكرو” (الركلة المنحنية في كرة القدم) بدل الركلة المباشرة. بهذا الأسلوب يتمكنون من استعمال التسريب عبر المصدر لمجرد جسّ النبض، أو للتملص من الموقف حين يشاؤون، أو لنشر شائعة، أو لتهيئة الرأي العام لقرار لم يُتّخذ بعد ليبدو وكأنه أمر واقع. بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى ما يُسمّى “الحرب المعلوماتية”: قنبلة دخان تُغطي الحركة الحقيقية وتشوش الرؤية، وتسمح باختبار ردود الفعل المحلية والدولية دون أن يُحسب الأمر موقفاً رسمياً.
وهناك تراتبية غير مكتوبة في هذه المصطلحات، فـ”مصدر مطلع” أو “مصدر مقرب” غالباً ما يكون موظفاً متوسطاً أو مستشاراً، أما “مصدر رفيع المستوى” أو “مصدر رئاسي” فيُفترض أنه من الدائرة الضيقة جداً، بينما “مصدر استخباراتي” أو “أمني” يوحي بمعلومة حساسة ويضفي طابعاً درامياً مقصوداً. وكلما ارتفع وصف المصدر، زادت حاجة القارئ إلى الشك، لأن الخبر يقترب أكثر من كونه “رواية موجهة” لا معلومة محايدة.
من جهة أخرى، الصحافة االموثوقة تستخدم المصادر المجهولة بحذر شديد، وتتحقق من المعلومة من مصدرين مستقلين على الأقل. أما في كثير من الممارسات الإعلامية، ووسائل التواصل، فقد تحول “المصدر” إلى عادة كسولة أو غطاء مريح. النتيجة جمهور يتلقى يومياً سيلاً من “المصادر” دون أن يعرف إن كان يقرأ خبراً أم بياناً سياسياً مموهاً. ولهذا يقول بعض الصحفيين القدامى: إذا لم تستطع نسب المعلومة إلى شخص يتحمل مسؤوليتها، فكّر مرتين قبل نشرها.
لذا، في المرة القادمة حين تقرأ خبراً منسوباً إلى “مصدر رفيع” أو “مصدر واسع الاطلاع”، تذكّر أن المصدر ليس سوى قناع. اسأل نفسك دائماً: من المستفيد من تسريب هذه المعلومة الآن؟ وما الذي يُراد لي أن أصدقه… أو أن أتجاهله؟ فتّش ما بين السطور، وما خلفها، وما فوقها أيضاً.
عبد الفتاح خطاب




