وحدة المأزق!

للدول العظمى مآزقها… كما للصغرى.
تلك الحقيقة، وإن كانت مؤلمة بنتائجها، تتساوى فيها الولايات المتَّحدة الأميركيَّة و…لبنان.
ها الرئيس الأميركي لا ينهي حرباً منتصراً، بل ينسحب منها تحت ضغط الوقائع، ما يعني تراجع هيمنة بلاده، روما المعاصرة، وصعود من هدَّد بِ”تدمير حضارتها” قوَّة إقليميَّة و… دوليَّة. أجل! لم تعد الحرب الأميركيَّة-الإسرائيليَّة على إيران، بلاد فارس الجديدة، تُقرأ إلّا من زاوية الإرتباك المتصاعد في واشنطن وتل أبيب معاً: الحرب التي دخلاها بإعتبارها فرصة لإعادة رسم الشرق الأوسط، تتحوَّل تدريجاً إلى إنكشافٍ لحدود القوَّة الأميركيَّة، وتظهيرٍ لهشاشة الرهان الإسرائيلي على الحسم. والأخطر أنّ طهران تستثمر، في إستراتيجيَّة كسب الوقت، لعبتها الفضلى، لترسيخ واقعٍ جديد يكرَّسها مركزاً إلزاميَّاً في معادلة الطاقة العالميَّة.
وها لبنان لا ينتهي من حرب إلَّا ويدخل، غصباً عنه، أُخرى. بلد الإنفجارات الدائمة. وإذا الخارج تلكأ، فأبناؤه يستدركون فوراً تفجيره وتفجير أنفسهم فيه. بلد الجثث الماديَّة والمعنويَّة غدا، بسلطتين متناحرتين: واحدة تتصارع على التفاوض، وأخرى على القتال.
هناك، روما الجديدة عالقة في شباك حربٍ أرادتها، فوقعت ضحيَّة تعجرفها.
وهنا، فينيقيا القديمة عالقة في ولدنة سلطتيها حدَّ، التخوين وإمتشاق سيف… العفو العام عن كلِّ مجرميهما.
ذات عام 1776، كتب إدوارد غيبون في “إنهيار الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وسقوطها” (الفصل 33):
“إنَّ قصَّة سقوطها بسيطة وواضحة (…). الفيالق المنتصرة التي إحتوت على الغرباء والمرتزقة قمعت في البداية حريَّة الجمهوريَّة، وإنتهكت بعد ذلك الجلالة الملكيَّة. والأباطرة الحريصون على سلامتهم تحوَّلوا إلى الوسيلة الأساسيَّة المسؤولة عن تخريب النظام. (…).
وكان العالم الروماني غارقاً في بحرٍ من البرابرة.”
على هذا المنوال، تمحي اللافوارق الدول العظمى والصغرى، وتتناسل وحدة المأزق في العالم المؤجل.
رواد م. سرمد


