السيادة!

السيادة عقليَّة، تربية، ومشروع. ثالوثيَّة قناعة.
كيف تكون لوطنٍ، نُخَبُهُ تغادره قسراً، والمُرتَحِلون فيه إليه، مِمَّن بقوا، إمَّا مدارون بالطائفيَّات الدينيَّة الشعبويَّة وإمَّا بالإيديولوجيَّات المستنسَخَة المتحجِّرة، والمستفردون بسلطته، مِن امراء الطوائف والملحقين بالمشاريع الخارجيَّة، مُكَوِّني الدولة العميقة بتحالفات فسادها، كلُّهم “متساوون ومختلفون” كما كان يقول هنري جيمس مؤسِّس مدرسة الواقعيَّة في الأدب الخياليّ؟
أجل! لبنان السيادة حلمُ ليلة إفتراضيَّة، الإبادة فيه هي الواقع الوحيد.
وإبادة لبنان بدأت لا من تسلسل أحداث الحاضر، بل من النصف الثاني للقرن العشرين: لبيتٍ، لبيوتٍ، لأسرةٍ، لأُسَرٍ، لحيٍّ، لأحياءَ.
تعاقَب المحتلُّون. لقوا مقاومات. دفع الأبرار دماءهم فداءَ هويَّة، ذكرى، إنتماء. لكنَّ المحتلّين-المُبيدين للبنان تناوبوا، بالتكافل والتضامن، على التفرُّغِ بعيد إحتلال الأرض إلى محو ذاكرتها الجوهريَّة لصالح ذاكرةٍ بلا حضارةٍ، فأبدعوا بالإنتقال من “عقيدة الرُكام” إلى عقيدة “الإبادة الوجوديَّة”، بما تعنيه إستبدال وعيٍّ جمعيٍّ بجماعةٍ بلا وعيٍ، إعداماً إستباقيَّاً للمستقبل.
تعاقبت دمى الدولة العميقة، لكنَّ كسَّارَتها وتعاهُرَها وإجرامَها لاقوا بالإستباحة بَغيَ المحتلّين. فبادلت الدمى مُبتَكريها إبادةً بإبادةٍ، وفق إنتظامِ “المقطوعيَّات”.
أجل! لبنان السيادة أبيد وفق ما تحدَّث عنه جوزف ألويس شومبيتر في نظريَّته “التدمير الخلّاق” التي تقضي بأن “يُدَمَّر الهيكل القديم بلا توقّف، وَيُخلَق هيكلٌ جديدٌ بلا توقّف.”
هل تذكرون الجنوب مذ كان لبنان الكبير؟ هل تذكرون قرى الجبل وجرف منازلها وكنائسها ومدافنها، وقتل أبنائها وتهجيرهم ‒ساعة تخلّي‒؟ هل تذكرون وسط بيروت؟ هل تذكرون… كلَّ التدمير الممنهج للمساكن-المأوى (DOMICIDE)؟
أجل! لبنان السيادة أبيد زمنيَّاً ومكانيَّاً، بالتكافل والتضمان، بين مجرمي الداخل والخارج، وضمير العالم أبكم.
هل تحسَّر أحدٌ على محو النسيج الحضاريّ اللبنانيّ، ضحيةَ الإبادة الحضريَّة (URBICIDE)؟
وحدهم الأبرار يستشهدون. بدمائهم. بدموعهم. برجائهم.
رواد م. سرمد



