بائعو الأوهام!

أن تبيع الأوهام أمرٌ. وأن تصدِّقها قضاءٌ آخر.
الأكثر إيلاماً في لبنان، أنَّ بائعيها هم أوَّل مصدَّقيها، وليس فيهم من يحترم عقولاً. بل على العكس هم الأكثر تبادعيَّة في أنَّها الأمان، بوجه تعاقب الأحداث.
قلت: بائعو أوهام؟
بِمَ تُسمّي الذين يتهافتون على الإقناع أنَّهم، من موقعهم، يفرضون “وقف إطلاق النار، وتثبيته وجعله كاملاً، وإنسحاب إسرائيل حتَّى آخر شبر من الأراضي اللبنانيَّة المحتلَّة، وعودة الأهالي، ودعم الجيش اللبناني وتمكينه لتوسيع إنتشاره في الجنوب”؟ أليسوا هم أنفسهم يكرِّرون “أنَّ الموقف الأميركي متفهِّم بالكامل لموقفهم” (يُقرأ: لخنوعهم، وتراكم دجلهم على العالم بأسره، وفشلهم… حتَّى في إدارة ازمة)، وكلّ مبعوث دولي يعاكسهم إنَّما “ينطلق من حساباته الشخصيَّة ويريد تسجيل مكسب شخصيّ في سجلِّه”؟
صدِّق.
بِمَ تُسمّي مونولوجيست مخبأ القَعرِ، الصارخ بمواليه: “أنتم رجال الله تزلزلون أقدام الطغاة المحتلِّين للأرض فيهربون ويُهزمون… مددتُم حبلَكم إلى السماء فأعطاكم ربُّكم ما لا ينضب”، وقد بات الجنوب كلّه ركاماً يراكم الدمع على الركام؟
بِمَ تُسمّي من، بعد إعجازه في تكريس “الحياديَّة”، يكتنز المناداة “أنَّ الأوطان منذورة للسلام”، وهو الأبعد عن إدراك مقوِّماته ومستلزمات مأسسته؟ وذاك المتغاوي بالتفيؤ بِ”العَلَم الواحد” و”جرن الكبَّة النيَّة الواحد”؟ وذاك المعترف بمذكَّراته الصادرة حديثاً أنَّه قبض من كلّ الديكتاتوريَّات العربيَّة… “لمحاربة الإنعزال في لبنان”، وذاك… وذاك…؟
صدِّق.
كلُّهم قتلة!
أيبقى العجز أبلغ ما يمكن أن تصله السياسة إزاء الإنسانيَّة؟
لا! ليس لبنان المستحيل. نحن المستحيلون لأنَّ بيننا مَن لا زال يبايعهم… “بالروح، بالدمّ”.
كم نحن فارغون حتَّى في النانو-وجود. فكيف بالجيغا-جوهر؟
الحياة قد تغلبنا. لكنها لن تسامح لا سكوتنا إزاء أوهامٍ لا تؤجِّج ندمنا، ولا موتنا كإحتمال قابليَّتها للتحقُّق.
رواد م. سرمد


