لبنان الذي يتفق الجميع… عليه!

في زمنٍ يتفاخر فيه الديبلوماسيون بأنهم “توصّلوا إلى تفاهم”، يبقى لبنان نقطة خلاف في الاتفاق الإيراني الأميركي التي تتحول فيها كلمة “تفاهم” إلى مزحة ثقيلة. فكل طرف يقرأ البند اللبناني كما يقرأ فنجان قهوته: كلٌّ يرى فيه ما يشتهي. ولبنان، كالعادة، لن يُستشار بل سيُبلَّغ لاحقاً عبر تسريب صحفي أو “مصدر مطّلع”.
الرواية الأميركية، إذا جرّدناها من اللغة الخشبية، بسيطة إلى حدّ الوقاحة: أعطوا إسرائيل، أم سوريا، يداً حرّة لإنهاء “حزب الله” بالطريقة التي تراها مناسبة. وكأن لبنان قطعة أرض شاغرة بانتظار من يقرَّر مصيرها، لا دولة فيها ولا شعب، لا مؤسسات ولا حدود نهائية.
في المقابل، لا تنظر إيران إلى “حزب الله” كحليف عابر يمكن بيعه ضمن صفقة، بل كقطعة أساسية من مشروعها الجيوستراتيجي. فبالنسبة لطهران، الحزب هو النافذة الوحيدة المتبقية على البحر الأبيض المتوسط، بل ما تبقى من “الهلال الشيعي”. وبالتالي، أي حديث عن “التخلّي” عنه يعادل، من المنظور الإيراني، التنازل عن جزء من نفوذها الإقليمي مجاناً. أي انها ستستشرس من اجل بقائه.
بين إصرار إيراني على حماية “نافذتها على المتوسط” ولو كان الثمن استنزاف بلدٍ بأكمله، ورغبة بقطع ذراع ايران عن المتوسط، يقف لبنان في الزاوية يشاهد مبارزة تحدد شكل منزله. من هنا يأتي التشكيك بماهية الحوار المباشر مع إسرائيل كون الجميع يتفق على نقطة واحدة: مصير لبنان يُقرَّر في الخارج.
في النهاية، يبقى لبنان أمام معادلة قديمة متجددة: بلد صغير محشور بين قوى عظمى تتقاطع مصالحها أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى، لكنها تلتقي دائماً على استبعاد صاحب الأرض من القرار. وإلى أن يقرر اللبنانيون أنفسهم أنهم ليسوا “بنداً” في اتفاقٍ بين الآخرين، سيبقى السؤال الأهم غائباً عن كل المعادلات الإقليمية: أين حق اللبناني في تقرير مصيره؟
جوزف مكرزل



