هدنة على حافة الهاوية!

يعيش العالم اليوم في حقبةٍ بلغت فيها التكنولوجيا العسكرية والأمنية أخطر مداها، وتحوّلت أدوات الذكاء الاصطناعي والترسانات السيبرانية والأسلحة الفتاكة إلى كوابيس تؤرق مضاجع صناع القرار. في هذا الزمن، لم يعد أحدٌ يشعر بالأمان؛ الجميع يخاف من الجميع. هذا الخوف المتبادل والوجودي لا يدفَع الدول نحو السلام، بل يدفعها إلى “الهروب إلى الأمام”، متجنبةً بشتى الطرق مواجهةً عسكرية طاحنة ومباشرة قد تحرق الأخضر واليابس ولا تذر رابحاً واحداً.
في خضم هذا الذعر المقنّع بدبلوماسية حذرة، يبدو أن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين القوى الكبرى على تأجيل الحسابات بترحيل الحرب إلى ما بعد فصل الصيف. هذا التراجع التكتيكي ليس صحوة ضمير، بل هو قرار اقتصادي بحت تمليه لغة الأرقام وأرباح الشركات العابرة للقارات، خصوصًا تلك المستثمرة في الشرق الأوسط ومناطق النزاع الأخرى.
إن الصيف يمثّل نافذة ذهبية لالتقاط الأنفاس؛ موسمٌ سياحي واقتصادي تُراهن عليه كبرى الشركات لتعويض خسائرها الفادحة التي تكبدتها جراء الحروب المستمرة، والأزمات التضخمية، وتراجع سلاسل الإمداد. إنها التهدئة المؤقتة من أجل “تأمين الأرباح” وضخ الدماء في عروق الاقتصاد العالمي المنهك.
ولكن، هذا الهدوء الصيفي ما هو إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها غليانًا مستمرًّا. فما إن ينتهي الصيف وتُجنى الأرباح، ويحلّ فصل الخريف برياحه الباردة، حتى تجد البشرية نفسها مجددًا أمام تحرّك تيّارات الحروب؛ حيث تصبح الأرض مهيأةً لعودة قعقعة السلاح، وتستأنف الآلة العسكرية تحضيراتها للمواجهة المؤجلة.
استراحة “النمور الورقية“
ومما يثير السخرية والشفقة معاً في هذا المشهد العالمي، أن خلف هيبة الأزرار النووية والتهديدات الرنانة تقبع مجموعة من النمور الورقية الجبانة. قوى عظمى تدعي الجبروت، لكنها ترتعد خلف شاشاتها، وتؤجل حروبها الوجودية لئلا تُفسد على جنرالاتها ونخبتها “موسم الاصطياف”! إنها “قوى عظمى” تدير صراعات المصير بعقلية متعهدي الحفلات؛ يخافون من بعضهم البعض لدرجة أنهم يخشون إطلاق الرصاصة الأولى لكي لا تضيع أرباح الربع الثالث من العام. لكن هذه النمور المستأسدة بالوكالة، والجبانة بالأصالة، نسيت أن التاريخ لا يحابي المرتجفين، وأن عروشها الكرتونية المبنية على جثث الأبرياء وسرقة الشعوب ستندثر عمّا قريب، لتتحول ترساناتها الذكية إلى مجرد خردة شاهدة على زمن الخوف الكوني.
إدمون بو داغر



