رسائل الوليد والمرشد الحكيم!

لم نأخذ يوماً كلام المسؤولين اللبنانيين على محمل الجد، ولا نعتبر تنظيرهم بمثابة مرجع موثوق، كونهم في نظرنا دجّالون بل كذّابون يبرعون في بيع الأوهام للناس؛ حتى ولو اعتبرنا أن البعض منهم، بحكم علاقاتهم، مطلعون على خفايا ما يجري من أحداث داخلية وتغيّرات جيوسياسية مناطقية. أعني زعيم المختارة وليد بيك جنبلاط، الذي بدا متشائما ومحبطا في مقابلة أجراها مؤخرا.
يُثبت تصريح الوليد ما استشعرناه سابقاً من أن زمام المبادرة لدى “حزب الله” انتقل كلياً إلى طهران، ما أفقد الساحة اللبنانية أي محاور محلّي فاعل. ويحذر جنبلاط من الانزلاق الخطير نحو لغة الشتائم والتعنيف اللفظي، وهو منحى يفتقر للحكمة والحس الوطني ويُنذر بأزمات داخلية كبرى. كما لفت إلى شبح “الانعزالية الدرزية” وتزايد الميول الانفصالية. وفي معرض هجومه على الخصوم، صوّب جنبلاط سهامه نحو سمير جعجع، معتبراً أن رئيس القوات اللبنانية يتقمّص دور “النبي موسى” في سياق التحوّلات التي تشهدها المنطقة.
تتجلّى أسباب تشاؤم سيد المختارة في ظل التسوية المرتقبة في إيران، والتي يبدو أن النظام الحالي سيكون المستفيد الأكبر منها في المدى المنظور. يضاف إلى ذلك العمليات الإسرائيلية في الجنوب، التي تترك انطباعاً بأنها تمهد لإنشاء منطقة درزية عابرة للحدود؛ خطوة من شأنها تهميش نفوذ آل جنبلاط، وربما تهديد وجودهم السياسي، في وقت تصعد فيه زعامات بديلة تتماشى مع الرؤية الأميركية-الإسرائيلية لـ “شرق أوسط جديد”.
أما استعارة تشبيه جعجع بموسى، فتحمل دلالات رمزية عميقة، من القائد المخلّص والملهم، إلى المشرّع الصبور والمؤمن الذي يهتدى بالنور والمعرفة.. باختصار المرشد الحكيم. غير أن هذه الصفات تتناقض تماماً مع الرسالة التي أراد “الوليد” إيصالها؛ فهو يلمّح ربما إلى أن جعجع يسعى لشق البحر بهدف قيادة المسيحيين نحو “أرض ميعاد” متخيّلة. ولكن، عن أي أرض يدور الحديث؟ وهل يشير بذلك، وبكل أبعاده المجازية، إلى مشروع “لبنان الصغير” الذي يروّج له البعض اليوم.
جوزف مكرزل



