Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

المساكنة!

في لبنان، لم تعد السياسة فنَّ الممكن، بل فنَّ التعايش بين المستحيلين. الجميع يسكن البيت نفسه، لكن لكلٍّ وطنه، وسلاحه، وراعيه، و…نهاية مختلفة لهذا الوطن.

تلك المفارقة هي المساكنة اللبنانيَّة: زواجٌ إجباريٌّ، بشهودٍ دوليِّين. في الغرفة الأولى، مَن يريد دولةً لا تكتمل إلّا بإستعادة قرارها، وفي الثانية دولةً تكتمل حين تعترف بعجزها أمام سلاحه. وفي الغرفتين، فريقٌ يريد جرّ البلاد لماضيه، وآخر قيادتها لمستقبلٍ يستورده من أيّ خارجٍ. فريقٌ يستمطر العودة إلى بداية التاريخ، كأنّ الحروب لم تقع والضحايا لم يُدفَنوا. وفريقٌ يحلم بنهاية التاريخ، كأنّ السيادة تُستورد ببيانٍ دوليٍّ، والمستقبل يصل بالبريد الدبلوماسيّ. وما بينهما، ثالثٌ ينتظر إتّجاه الريح ليكشف فجأةً أنّ له موقفاً مبدئيّاً.

كلُّهم يتداجلون: لا أحد يريد الآخر، ولا أحد يستطيع طرده.

إنَّهم لا يريدون بعضهم بعضاً، لكنّهم لا يستطيعون الإنفصال؛ يتبادلون تهم الخيانة صباحاً، ويتقاسمون المغانم عشيَّةً. وهكذا يغدو الشلل إنجازاً، والإنتظار استراتيجيَّةً وطنيَّةً، والتعيِّينات-المسخ بناءً جديداً.

إنّهم لا يتشاركون وطناً، بل مأزقاً يمدّد صلاحيَّة الخلاف، بحيث يسمّي كلٌّ منهم خضوعه لتوازنات الخارج حكمةً، وخضوع خصمه خيانةً. كلٌّ يريد هزيمة الآخر، شرط ألَّا تقع الهزيمة قبل وصول التعليمات الجديدة.

المأساة أنّ هؤلاء، على إختلاف شعاراتهم، يتَّفقون على أمرٍ واحدٍ: عداوة التاريخ، بما يحمله من محاسبةٍ، وعداوة المستقبل، لأنّه يتطلّب شجاعة صناعة التاريخ، لا إستئجار أبطاله من الخارج.

في لبنان، لا أحد ينام مطمئنَّاً، لكنَّ الجميع مصرٌّ على البقاء في السرير نفسه.

فالمهمُّ ألَّا ينهار السرير.

متى يكتشف اللبنانيُّون أنّ لبنان لا يحتاج إلى مصالحةٍ بين مَن لا يريدون بعضهم؛ بل إلى خلاصٍ من طبقةٍ جعلت تلك المساكنة قدراً، والخراب ثمن بقائها؟

رواد م. سرمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى