انقراض الإنسان العاقل!
من رحمة الفضيلة إلى عبودية "التيك توك"!

لنتأمّل معًا: على هامشِ الكوكبِ المغْلَق للصيانة، يبدو أن البشرية قد أنجزت أخيرًا مشروعَها الأكبر: التخلي الكامل عن العقل والضمير لحساب “التحديث القادم” (Update)!
لقد نَجَحَ وتفوّقَ التطوّر على البشريّة؛ تحولنا من كائنات تسعى للقيم والفضيلة إلى مجرد “مستخدمين” ينتظرون شحن الهواتف، ويلهثون خلف عدد الإعجابات. العالم لا ينحدر نحو الانهيار الشامل، بل يرقص في طريقه إليه على أنغام مقاطع “التيك توك”.
دكاكين لبيع الشهادات وتدريب الشاشات
نبدأ من الحصن المنيع الذي كان يُفترض أن يبني الأجيال: “المؤسسة التربوية”. مرحبًا بكم في عصر الشركات التعليمية المساهِمة! لم تعد هذه الدّكاكين اليوم تبحث عن سقراط جديد، بل عن “عميل” يسدد الأقساط في موعدها. رفعوا شعارَ “التعليم الحديث”، فاستبدلوا الكتاب بالشاشة، والتربية بـ “البرستيج”. خَبَت الرسالة الإنسانية والوجودية، واختفت التربية كليًا ليحل محلها التسويق. المهم أن تكون المدرسة مزودة بأحدث التقنيات، حتى لو خرج الطالب بأعلى الدرجات في البرمجة وأدنى درجات الأخلاق والإنسانية! المدرسة اليوم تقول لوليّ الأمر: “أعطنا أموالك ونحن نضمن لك طفلاً يتقن التصفح ولا يتقن الحديث مع أبيه”!
التكنولوجيا: السّقوط الأخير
ثم تأتي التكنولوجيا، تلك الأداة التي وُعدنا بأنها ستجعل العالم “قرية صغيرة”، فجعلت من البيت الواحد مجموعة من المغتربين! تجلس العائلة في الصالة نفسها: الأب يغرق في التحليلات السياسية الخائبة على فايسبوك، الأم تغرق في عالم المقاطع المثالية على إنستغرام، والأطفال يبنون شخصياتهم الافتراضية في ألعاب أونلاين تسلب عقولهم. لقد ضُرب مفهوم العائلة في مصرعٍ واحد، لا بأسلحة دمارٍ شامل، بل بـ “واي فاي” مجاني! أصبح الطفل يُربَّى على يد خوارزمية صينية أو أميركية، والأبوين في حالة “غياب مُغَيَّب” مدفوعِ الأجر.
وماذا عن الآباء والأمهات؟ أصحاب الرعاية الأوائل! لقد استسهلوا رفع الراية البيضاء. لكي يستريح الأب من ضجيج أطفاله، يقدم لهم الهواتف كـ “مُهدئ إلكتروني”، ولكي تلتفت الأم لاهتماماتها الافتراضية، تترك أطفالها لتمتصَّ عقولهُم شاشاتٌ بلا رقابة. استبدل المجتمع “التربية بالقدوة” بـ “التربية بالتخلي”، ثم يجلس الجميع ليتساءلوا بغباوة تدعو للضحك والبكاء: “من أين أتت هذه العاهات؟ وكيف ضاعت القيم؟”
سقوط القيم تحت شعار “الموضة والحرية“
أما المجتمع ككل، فقد قرر أن القيم والأخلاق والدين والمبادئ الإنسانية ليست سوى “بضاعة قديمة” تعوقُ التطور. سقطت القيم الأخلاقية والإيمانية، وصار المعيار الوحيد هو “ما يطلبه المتابعون”. أصبح الانحطاط يُسمى “حرية تعبير”، والسطحية تُسمى “ذكاءً اجتماعيًا”، والتمسك بالقيم الأصيلة يُعتبر “رجعيةً وتخلفًا”.
إننا لا نتجه نحو الانهيار بسبب قوى خارجية أو كوارث طبيعية، بل بنجاح باهر من صنع أيدينا! لقد بعنا أرواحنا للتقنية، وبعنا تربية أبنائنا للشركات، وبعنا قيمنا للسطحية. والنتيجة؟ مجتمعات مليئة بالأجهزة الذكية… والأنفس الفارغة. والسّقوط الأخير بات قريبًا.
إدمون بو داغر



