وتبقى الرسالة شوكةً في حلق الطغاة!

صباح أمس، لم أقف أمام فيديو عابر من ويلات الحرب، بل وقفت أمام جريمة حرب موثقة بوقاحة؛ رأيت جرافة صهيونية لا تهدم مجرد جدران، بل تنقض بـ وحشية وانحطاط على المقر الصيفي لمطرانية صور للروم الملكيين الكاثوليك في يارون. لم يكن المشهد مجرد ركام، بل كان محاولة خبيثة لاقتلاع ذاكرة، ودفن تاريخ من الخدمة تحت التراب، في سعيٍ محموم لمحو أي أثر للوجود المسيحي والروحي في الجنوب الصامد.
توازيًا مع هذا الإجرام الذي لا يفرّق بين مسلم ومسيحي، تطلب الدّولة اللبنانية بجسمها الحاليّ، مع من يدعمها من أحزاب عميلة للشر، من مؤسسات الإعلام والمواقع الإخبارية عدم الإضاءة على ما تدمّره “الصّديقة والحليفة إسرائيل” من واقع مسيحية، تجنّبًا من تحرّك الشارع المسيحي ضدّ همجيّة النّتن ووزرائه وشيجه وحلفائه في لبنان. ولكن أين سيهربون من غضب الله الذي شارف على الحلول؟ أين سيتوارون؟
هذا الإجرام الصهيوني الممنهج لا يضرب الحجر فحسب، بل يضرب الضمير الإنساني في مقتله. إن ما تفعله هذه الآلة العسكرية هو فعلٌ تنبذه الأديان السماوية جملة وتفصيلاً، بل هو انحطاطٌ أخلاقي تأنف منه حتى الشرائع الوثنية القديمة التي كانت تقدس المعابد وتحترم حرمة دور العبادة.
استهداف الروح.. مسلسل الحقد الممنهج
إن مأساة يارون ليست صدفة عسكرية، بل هي عقيدة تدميرية بدأت منذ الأسبوع الأول للحرب:
- استهداف كنيسة مار جاورجيوس الرعوية: وكأن الحقد أراد أن يغتال قلب الجماعة المؤمنة وملاذ صلواتها أولاً.
- تدمير “بيت أبونا بشارة”: تحويل منزل مخصص للرسالة والخدمة الرعوية إلى أثر بعد عين بدم بارد.
- هدم مزار القديس جاورجيوس: ذلك الملاذ الصغير الذي كان يختصر طمأنينة المارة ودعوات الأمهات، لم يسلم من بربرية لا تفرق بين هدف عسكري ومقام روحي.
- سحق “حجر البابا”: قبل أيام، تم هدم القاعة الرعوية التي كانت تحتضن حجراً باركه قداسة البابا، ليكون رمزاً للقيامة والنهوض. هدموا الحجر في محاولة يائسة لهدم “فكرة الأمل” نفسها، ظناً منهم أنهم يستطيعون إبادة إرادة البقاء.
ويعترف بن غافير: “بصق الإسرائيليين على المسيحيين “تقليد يهوديّ قديم ولا يُعدّ جريمة”. أين هم حماة الكلمة السماوية ومناصرو حقوق الانسان؟ إنّه زمن الغلبة، حيث يُصفّى من يتلطّى وراء حقوق الانسان والمُوَاطَنة لشعارات خبيثة.
إرهابٌ أعمى لا يفرق بين مئذنة وجرس
في يارون، تجلت أبشع صور الإرهاب الإسرائيلي الذي لا يميز بين صليب وهلال. لقد تساوت منازل المسيحيين والمسلمين في الدمار، وجُرحت الكنيسة والجامع بذات الشظايا الحاقدة. سقطت الحجارة على الجميع بلا تمييز، لتثبت هذه الحرب أنها بلا ضمير، وأن هذا العدو لا يرى في الأرض إلا مساحة للخراب، ولا في الإنسان إلا هدفاً للقتل.
يتوجّه الميتروبوليت جورج اسكندر رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك: “من حقنا أن نقول إن ما جرى في يارون ليس مجرد حدث عابر، بل جرح في ضمير الإنسانية. ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة لا تستطيع أي جرافة أن تهدمها: قد تُهدم المدرسة، لكن التربية لا تُهدم. قد يُهدم المزار، لكن الصلاة لا تُهدم! قد تُهدم الكنيسة والجامع، لكن الله لا يسكن في الحجر وحده. في يارون، سقطت الجدران، لكن الرسالة لم تسقط. سنحافظ على الذاكرة. سنحافظ على معنى العيش الواحد الذي ميّز هذه الأرض. وسنبقى نؤمن أنّ الجنوب الذي عرف الألم قادر أيضًا أن يصنع قيامة جديدة. إلى أبناء يارون، مسيحيين ومسلمين، أقول: أنتم لستم وحدكم. ”
أيُّ عقل مريض يرى في مدرسة الراهبات هدفاً؟ أيُّ سادية تدفع جرافة لسحق مكان تُصنع فيه أحلام الأطفال وتُزرع فيه قيم المحبة؟
المدرسة ليست خطراً.
مكان الصلاة ليس جبهة.
بيوت الآمنين ليست ثكنات.
الخطر الحقيقي والوحيد هو هذا الفكر الصهيوني الإجرامي الذي يستهدف “الرحمة” ذاتها، ويحول أماكن التعليم والعبادة إلى أهداف مشروعة في قاموس الغدر.
رغم هذا الركام، ورغم أنوف الطغاة، ستبقى الرسالة أقوى من جرافاتهم. قد يهدمون الحجر، لكنهم لن ينالوا من قدسية الأرض ولا من إيماننا بأن الحق لا يموت، وأن هذا الإجرام الذي تبرأ منه السماء والأرض سيواجه حتماً لعنة التاريخ وعدالة السماء.
إدمون بو داغر


