أين أنتم من رجالات لبنان وتاريخه العريق؟

ألقى العميد ريمون إدّه في جلسة مجلس النوّاب بتاريخ 6 كانون الأول 1969 خطابًا (الذي يقع بأكثر من 30 صفحة)، وقد كانت الجلسة مخصصة لمنح الثقة لحكومة الرئيس رشيد كرامي والتي اعتمدت “إتفاقية القاهرة” في بيانها الوزاري. ومن المعلوم أن العميد إدّه رفض الإشتراك في تلك الحكومة لأن رئيس الجمهورية شارل حلو رفض أن يطلعه على النص الحرفي لإتفاقية القاهرة باعتبارها سرية.
وفي ما يلي أبرز ما جاء في كلمة العميد إده عام 1969 عن “التّهديد الوجوديّ الإسرائيليّ للبنان: “قد أكون غلطانًا، وقد لا أكون. أنا اقول ما يخطر في ضميري. حتّى اليوم، أعطتني الظّروف الحقّ. جميعُنا يعرف أنّ الخطر الإسرائيليّ يصل إلى اللّيطاني. جميعُنا يعرف إذا كنّا درسنا، وإذا كنّا اطّلعنا وإذا كنّا قد قرأنا الصّحف، أنّ إسرائيل منذ 1919 تريد مياه اللّيطاني. إذًا، الخطر يُحدقُ بقرى الجنوب المجاورة للأرض المحتلّة.” يتابع إدّة: “إنّ ضميري يٌقلقني. إنّي قلق على المستقبل، وقلقٌ على لبنان الجنوبيّ. لقد قلتُ منذ اليوم الأوّل إنّني لن أتنازل عن شبرٍ واحدٍ من أرض لبنان.”… ولكن ماذا طرأ فجأةً منذ زمن ريمون إدّة حتّى اليوم لتتغيّر المعطيات الجيوسياسيّة يا أيها المسؤولون حتّى تُلقوا بثقتكم بالولايات المتّحدة الأميركية وشرّابتها الاسرائيلية؟
عندما زحفتم لتقديم أوراق اعتمادكم عند بوابات العدوّ، هل نسيتَم أن الكراسي التي يُصنّعها الخارج تطيرُ مع أول هبّة ريح، تمامًا كما طارت لقمة عيش الناس الذين تتاجرون بقضاياهم؟
منذ ستينات القرن الماضي، والدولة اللبنانية تمارس “جبنًا استراتيجيًا” موصوفًا، متدثرةً بعباءة العجز ومقولة “قوة لبنان في ضعفه”، ومُفضّلةً سياسة دفن الرأس في الرمال على مواجهة الحقيقة العارية. هذا التخاذل التاريخي لم يكن غيابًا للرؤية، بل هروبًا من المسؤولية؛ فقد دقّ العميد ريمون إدة ناقوس الخطر مبكرًا في جلسة 6 كانون الأول النيابية عام 1969، حين صرخ في ضمير السلطة محذرًا من “التهديد الوجودي الإسرائيلي”، مؤكدًا أن أطماع العدو في مياه الليطاني واضحة منذ عام 1919، ومعربًا عن قلقه العارم من “أن يطير لبنان الجنوبي”. لكن السلطة، بجُبنها المعهود وتكاسلها عن حماية حدودها، تركت الجنوب وحيدًا أمام العاصفة، وتجاهلت صرخة إدة الذي أكد: “لن أتنازل عن شبر واحد من أرض لبنان”، لتثبت الأيام أن خوف المنظومة وتقاعسها هو الذي شرّع الأبواب أمام استباحة الوطن وضياع أمنه.
يقول إدة في الجلسة نفسها وفي السياق نفسه: “أمس دخلت إسرائيل عيترون، ماذا فعلتم لتحاربوا. لا شيء. لا شيء أبدًا. ماذا فعلتُم لأبناء عيترون؟” جاء هذا الكلام في العام 1969، أي قبل 13 عامًا من حلول عام 1982، تاريخ بداية نشأة حزب الله. هذا يعني أنّ كل من يتشدّق بالوطنية ومن يدافع عن إسرائيل والتّطبيع معها عليه أن يعيد قراءة التّاريخ وليتحرّر من رَسَنِه الحزبيّ، ولكن الحقيقة أنّه أخفشُ العَيْنَيْن.
ويتابع إدّة: “أنا أوّل من قال إنّ إسرائيل تشكّلُ خطرًا على لبنان أكثر ممّا تشكّلُ خطرًا على حمص وحماة وبغداد، لأنّنا نحن وإسرائيل بالمستوى نفسه، وجغرافيًا في المكان نفسه. نحن وإسرائيل نستطيع نستثمر الغرب، لذلك تريد إسرائيل، أن تهدمَ مطار ومرفأ بيروت كي يتحسّن مطارُها ومرفأ حيفا.” هل من الأحزاب من يثقف شبابه تاريخيا كي يكونوا أحرار التفكير والقرار؟ للأسف لا. إنّهم “عميانٌ يقودون عميانًا” كما وصفهم السيد المسيح. وعلى كلّ حال، كل ما قاله ريمون إده حدث ويحدث.
إدمون بو داغر



