يبيعك الوطنيةَ بالليرة ويشتري الصهيونيةَ بالدولار!

إنّه الذي باع جثث الملايين من الضحايا اللبنانيين، تمامًا كما باع جنى أعمارهم بشخطة قلم ملوّث كضميره. وفي وقت يواصل فيه الإسرائيليّ عدوّ الإنسانيّة والحياة برمّتِها زرعَ الموت في الجنوب ومحو القرى، اختار المصرفيّ وسارق أموال المودعين أن يستضيف في واشنطن المتفوّق في المجازر عبر العصور، والذي تخطّى أدولف هتلر بإجرامه والذي لن نلوّث صفحاتِنا بذكر اسمه.
لم يكن هذا الفتى الأرعن يومًا مجرد “رجل أعمال” بريء، فمواقفُه المغمّسة في العمالة لم تكن بحاجةٍ “لتلسكوب” كي تُرى. لكنّ الصورة الأخيرة جاءت لترفع الستار عن المشهد كاملاً، وتضع النقاش في حجمه الحقيقي.
فالقضية لم تعد تفصيلاً في سيرة “زوج الست”، “معالي” ملكة جمال الحمضيات والتصريحات، التي بلغت بها الإنسانية أن تصفّق وتتحرّقَ شوقاً لرؤية مجزرة في قلب تشييع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. والإشكاليّة، بطبيعة الحال، ليست في الجلسة الحميمية مع أسفه مجرمي الأرض، فهو لم يخرج عن طوره ولا عن بيئته؛ الرجل ببساطة يقعد في “مكانه الطبيعي” بين شذاذ آفاق محور “إبستين” وأرباب القتل.
إنما “الخدمة” الكبرى لهذه الصورة أنها نزعت ورقة التوت الأخيرة عن طَنز التداخل القذر بين المال السائب والسياسة المأجورة، لتطرح مجدّدًا السؤال الساخر: كيف لشبكات نفوذ عابرة للحدود والأخلاق، يمتلكها مثل هؤلاء “الوُكلاء”، أن تتحكم في قرار وطن، وأن تحاضر في الناس عن العفة وتشكيل الوعي؟!
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف سيتعامل لبنان الرسمي مع ظهور رجل أعمال لبناني إلى جانب السفاح الإسرائيليّ في لحظة حرب؟ وكيف ستطبّل الأبواق المُلمِّعة لصورته والمُتشدِّقة بصداقته، والأهم تلك المعروفة بأنه وليّ نعمتها؟
كيف سيتعامل لبنان الرسمي؟
الإجابة هنا:
يا لِرحابة هذا الخيال ويا لَفَداحة السذاجة! وكأنّ هذا “اللبنان الرسمي” يستيقظ صباحًا ليقيس منسوب الكرامة الوطنية، أو كأنّ دواء الخجل متوفرٌ في صيدلياته المقطوعة!
لبنان الرسميّ سينظر إلى الصورة، يمسح نظاراته، ثم يُصدر بيانًا يشدّدُ فيه على “حريّة التعبير للمستثمرين”، أو ربما يرى في جلوسه مع السفاح إنجازًا دبلوماسيًّا وعلاقات عامة!
أما عن “الأبواق”، فهؤلاء هم الجزءُ الأكثر إثارة للشفقة والضحك؛ ستراهم يمارسون رياضة “الجمباز الأخلاقي” بأعلى مستوياتها! سيخرجون علينا ببذّاتِهم ورثاثة هيْئاتِهم، ليعلّمونا أن جلسة الودّ مع القاتل هي في الحقيقة “اختراقٌ استراتيجيٌ لقلب العدو”، وأنّ أموال “وليّ النعمة” طاهرةٌ تطهيراً، لا يأتِها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!
هم لا يلمّعون صورته فقط، بل مستعدون لغسل أقدام حليفهم السّارق والخائن بالماء والصابون، طالما أن “الرزقة” مستمرّة، وطالما أن الوعي الوطنيّ عند هذا الفصيل من البشر يُباع ويُشترى في أقرب مكتب صَيْرفة!
إدمون بو داغر



