وَجْبَة دَسِمَة ومجّانيّة ينتظرُها الدُّود!

يجلسُ “سعادةُ الإنسان الأبديّ” في تكييفه العالي، واضعًا قدمًا فوق أخرى، يتفحّص عقود ملكية الأراضي وصورَ برجه السكنيّ المكتوب باسمه، مبتسمًا بثقةِ من يظنُّ أنَّهُ اشتركَ في حزمةِ “الخلود الإضافية” مع شركة الحياة!
يبني الأسوارَ، ويكنزُ الأموالَ، ويطلبُ من أطبّائه التجميليين إخفاءَ التجاعيد وكأنّ الشّيب مجرّد “خطأ في النظامِ الأرضيّ” يمكن مسحُه. يُخيَّلُ إليه، في نشوة جهله المحموم، أنّه خُلِقَ ليبقى، وأنّ الموتَ سيستأذنه مسبقًا عبر البريد الإلكترونيَ ليحدّدَ موعدًا يناسب جدولَ أعماله الحافل. ينسى هذا المخلوق المتعجرف الضئيل أنه في نهاية المطاف مجرّد وجبة دسمة ومجّانية ينتظرها “الدّودُ” بصلصة الطين تحت المترين! الدّودُ الذي لا يكترث برصيده البنكيّ، ولا بعلامته التجارية المفضّلة، بل يرواح بين عينا العظمة وقلبه المتكبر بنهم ولذة.
وليتَ جهلَه وقف عند توهّم الخلود، بل تعدّاه إلى “خيانتة الأمانة العُظمى”. لقد خُلِقَ على الأرض ليكون راعيًا حنونًا للأشجار والمخلوقات والحيوانات والمساكين، فنظرَ حولَه وقال: “يا لها من غابة ممتعة… لنحوّلها إلى معمل أسمنت!”
تصرّف كصبيّ طائش أُعطي مفاتيح متحف أثريّ، فكسر التماثيل ليشرب فيها الشاي. طرد الكائنات من ديارها، ملأ البحار بالبلاستيك، وسمّم الهواء، ثم صرخ بدهشة ساذجة: “لماذا تصبح الحرارة مرتفعة جدًا في الصيف؟!”.
لقد أثبت هذا الكائن الخائن أنّه الوكيلُ الوحيد الذي يدمّر المتجرَ الذي يعملُ فيه، ثم يتفاجأ بأنه يعيش داخلَ المتجر نفسه! خانَ الأمانةَ التي حَمّله إياها الخالق، وظنّ أنه ذكيّ جدًا وهو يقطع الغصن الذي يجلس عليه. والآن، يجلس في انتظار دمار محتم من صنعه: كوكب يحترق، وطبيعة تنتقم، ودود ينتظر طبقه الرئيسي بفارغ الصبر. هنيئًا للمغرور بأوهامه!
إدمون بو داغر



