عندما يُدير “البلطجيّ” ورشة عمل في الأخلاق!

تذكير لطيف لكل من يرفع شعار حقوق الإنسان من فوق تلّة من الجماجم: الطاولة تدور، والعدالة التاريخية لا تموت، وعائدات البلطات غالبًا ما تُدفع فوائدها مُضاعفة عند باب المستلم. وليتحضّر عهد الدّولة اللبنانية على ارتداد بلطة التآمر مع المجرمين على أعناقهم.
يقف العالمُ الغربيُّ اليوم على مِنبره العالي، مُرتديًا بدلة رسمية فاخرة، ورافعًا إصبعَ العِظَة الأخلاقية بوجه العالم. من هناك، من بروج الديمقراطية ومقاهي الفلاسفة، يُلقي علينا دروسًا مجانية في حقوق الإنسان، ومكارم الأخلاق، وضرورة الالتزام بالقانون الدولي. لكنك ما إن تقترب قليلاً لتتفحص المشهد عن قرب، حتى تكتشفَ المفاجأة المذهلة: صاحب البدلة الأنيقة يحمل في يده اليمنى “سكّينًا” و”بلطةً” مقاسًا كبيرًا، بينما تتطاير من تحت طاولته دماء الأبرياء في غزة ولبنان، وتفوح من تحت حذائه الحريري رائحة استغلال عرق الشعوب السمراء في أفريقيا!
الفسيفساء الديمقراطية: الحداثة بمذاق “البلطة“
لقد أبدع الفكر الغربي الحديث في ابتكار مفاهيم مذهلة للفصل بين “النظرية” و”التّطبيق”؛ فعلى الورق، تجد دستورًا يحمي الفراشة، ويحفظ حقوق الديدان في الغابات العذراء. أمّا في الواقع الميداني خارج الحدود القارية، فالأمر يختلف تمامًا. هناك، تتحول الديمقراطية إلى نوع من رياضة “رمي البلطات” عن بُعد. وهنا، يُسمح لك فقط بالاحتجاج دفاعًا عن زهرة نادرة في أوروبا، بينما يُعتبر الصراخ لمجرد العثور على أطفال تحت ركام المباني في غزة أو لبنان تهديدًا للسّلم الأهليّ العالميّ ويستحِقُّ القمع. إنّها قمّة الدَّجَل والنّفاق، التي عاجلاً أم آجلاً ستتكشّف على حقيقتِها الخبيثة.
وفي هذا الوقت الضّائع، يتولى المُشرّع الغربي إعطاء شهادات حُسن سير وسلوك للدول التي تتآمر على المظلومين والمنكوبين في العالم. متناسيًا سجله الحافل في تنظيف المستعمرات القديمة، واستنزاف القارة السمراء حتى آخر قطرة عرق ومعدن ثمين.
عندما يقرر المجتمع الغربي “الراقي” أن يمارس هوايته الإنسانية، فإنه لا يختار أهدافه عبثًا. إنه يختار بعناية فائقة المناطق التي تمتلئ بالبشر الأبرياء. في غزة ولبنان، تُقصف الأحياء السكنية بدقة متناهية تحت شعار “الدفاع عن النفس”، بينما يُصفّق الحضور في صالونات باريس ولندن إعجابًا بتقنيّات السكاكين الذكية التي تذبح الحقيقة والعدالة معًا. وفي أفريقيا، تستمر قصة العرق الأسود الذي حُتّم عليه أن يعمل في المناجم ليل نهار، لكي يدفع فاتورة رفاهية المواطن الأوروبي والأميركي الذي يرتجف خوفًا على “أسعاره وقيمه” كلما طالب أحدهم بالعدالة.
العدالة قادمة: هل حان وقت “استلام الطلبية”؟
ليعلَم “البلطجيّ” أنّ لكل ذئبٍ نهاية. يقف هذا المجتمع “البلطجي” اليوم مرعوبًا يشعر بأن الزمن قد دار، وأن البلطات التي أرسلها سياحةً واستثمارًا إلى مختلف أصقاع الأرض، بدأت تحزم أمتارها لتقوم بزيارة عائلية قصيرة إلى عواصمه الفاخرة.
قريباً جداً، لن يحتاج العالم المظلوم إلى السفر وقطع البحار؛ فالبلطات والسكاكين التي طالما زيّنت جدران “الحضارة الغربية” ستعود لتطرق أبواب أصحابها، لتسألهم بلهجة ساخرة ولطيفة: هل أنتم متأكدون أنكم لا ترغبون في تجربة بضاعتكم بأنفسكم؟
إدمون بو داغر



