عندما يصبح العالم صينيًّا بالتقسيط المريح!
نهاية زمن "الكلاسيكو الغربي"!

هل تذكرون تلك الأيام الجميلة حين كنا نظن أن العالم يتكون من قطبين أساسيين: أمريكا التي تقود الكوكب، وأوروبا التي تلاحقها وهي تعدل ربطة عنقها؟ يبدو أننا بحاجة اليوم إلى إعادة ضبط ساعاتنا الاقتصادية المحوريّة، وربما تعلُّمُ بضع كلمات باللغة الصينية، لأن ميزان القوى العالمي قرَّرَ أن يترك “الصالون الفاخر” للغرب وينتقل ليزدحم في أسواق آسيا الشعبية.
ما يحدثُ اليوم في الغرب هو أشبه بمقدمة عزاء لطيفة: “مرحبًا، مش لأن الغرب عم ينهار، بس…”. وهي جملة تشبه تمامًا ما تقوله لصديقك الذي احترق دكانه: “يا زلمة مش إنت أفلست، بس الله وكيلك رفيقك فتح شركة طيران وصار يوزع مصاري بالشارع!”. الغرب لا ينهار بالطبع، هو فقط يتفرج على صعود الشرق وهو يحتسي قهوته المرة ويعدّ الديون.
الصين: من صناعة “البلاستيك” إلى امتلاك الكوكب
دعونا نتحدث بالأرقام التي تسبب الدوار. في عام 2000، كانت الصين تمثل 3% فقط من الاقتصاد العالمي. كانت أيامًا نقية؛ كنا نشتري الألعاب المصنوعة في الصين ونعتقد أنها ستتكسر خلال دقيقتين. لكن بينما كنا منشغلين بالمسلسلات، كانت الصين تُنفذ أكبر عملية هندسة مالية في التاريخ البشري لتقفز إلى 16% وتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، خلال 26 عاماً!
لو استمرت الصين بهذا المعدل، فلن نضطر قريبًا لشراء أي شيء من بلادنا، بل سيأتي موظف صيني لطيف ليخبرنا أننا أستأجرنا منازلنا منه، وأن دفع الإيجار سيكون بمسح رمز “كيو آر” على هواتفنا.
الهند وبريطانيا: “استراحة الشاي التاريخية“
أما الهند، تلك الدولة القارة، فقد قررت أن لا تبقي شيئاً للتهذيب. باقتصاد وصل إلى 4.15 تريليون دولار، تجاوزت الهند فرنسا وباتت تفصلها 100 مليار دولار فقط عن بريطانيا العظمى.
تخيل المشهد السينمائي الرائع: بريطانيا العظمى، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والتي استعمرت الهند لأجيال، جالسة الآن على دكة الاحتياط، تفرك يديها بتوتر، بينما الهند تقترب منها بخطى ثابتة وتقول لها بابتسامة هادئة: “عفواً يا عمتي، الشاي الذي شربتِ طوال القرن الماضي على حسابنا.. حان الوقت لندفع حسابه، ونقود نحن العالم بدلاً منكِ”.
أوروبا وأمريكا: “الريجيم الإجباري“
في هذه الأثناء، يبدو الغرب وكأنه يخضع لنظام “ريجيم” اقتصادي قاسٍ لم يطلبه ولم يخطط له. أمريكا انكمشت حصتها من 30% إلى 25%، والاتحاد الأوروبي هو الضحية الأكبر هبوطاً من 26% إلى 18%.
أوروبا التي كانت لقرون طويلة تظن أنها “متحف التاريخ ومركز العالم”، أصبحت اليوم تشبه جدًّا ذلك الرجل النبيل الذي أفلس وباع سيارته الفارهة، ولكنه ما زال يرتدي بدلة رسمية بالتقسيط وهو يقف في الطابور!
العرب والخليج: “الجوكر الذي لا يحتاج لنقاش“
وفي خضم هذه المعمعة، يبرز اقتصاد دول الخليج ليتضاعف أكثر من 6 مرات ويصل إلى 2.4 تريليون دولار. العرب هنا ليسوا مجرد متفرجين؛ فالخليج يراقب صراع الجبابرة وهو يعدّ الأوراق المالية والذكاء الاصطناعي والاستثمارات الضخمة. المعادلة بسيطة ومريحة للغاية: اختلف الشرق أو اتفق، تراجع الغرب أو صعد، فالنفط والمال والمستقبل بقبضة من يملك “صناعة القرار والبورصة”.
من سيقود العالم؟
يُختم هذا المشهد السريالي بسؤال يبدو بريئًا لكنه مرعب: “إذا كان ميزان القوى يتغير بهذه السرعة، فمن سيقود العالم في العقد المقبل؟”
والحقيقة الساخرة الواقعية هي أن السؤال الأهم ليس من سيقود العالم، بل هل سيتبقى أصلاً “عالم” لنقوده، أم أننا سنقضي العقود المقبلة نتجادل حول من هو صاحب القرض الأكبر، بينما الصين والهند تشتريان الكوكب بالتقسيط المريح، ونحن لا زلنا نبحث عن شاحن هواتف صيني الصنع لنتفرج على فيديوهات تروي لنا قصة انهيارنا!
إدمون بو داغر



