التخادع!

ليس لبنان فدراليَّة طوائف بل كونفدراليَّة أسياد التخادع.
وبالمفهوم الأكاديميّ: التخادع، خداعٌ مشتركٌ بلا ضوابط. أبطاله: من جهةٍ، زويعمٌ يصوِّر نفسه مخلِّصاً، ويبرع في الوهم الجماعيّ الذي قوامه صياغة تضليلٍ مقصودٍ يؤمن به هو وجماهيره، التي تشكِّل الجهة المقابلة له… ونجاته برأسٍ مرفوعٍ كلّما إصطدم بالحقيقة، بعدما جعل التخادع هويَّةً وأماناً.
أجلّ في لبنان، لا توجد فقط صناعةٌ للتضليل بل سوقٌ له، بمعنى أنَّ هناك من يبيعه، وهناك المستعِدٌّ لشرائه، لا سيَّما متى تحوَّل الى ماكينة إنتاج أعذارٍ يُعاد تدويرها كطاقةٍ متجدِّدةٍ: مشكلتك ليست في غياب الكفاءات عن الدولة بل في النظام، ليست في الفساد بل في مؤامرةٍ قوامها الآخر المرتَهَن للخارج ويريد إلغاءك…
والطوائف بدورها ليست هويَّاتٍ روحيَّةً، بل شركاتٌ مساهمةٌ في بورصة التخادع. كلُّ طائفةٍ تبيع خوفها، وتشتري حصَّتها من الغنيمة بتراكم الفاشلين، الفاسدين، المُرائين، فيها.
ووسائل التواصل الإجتماعيِّ إنتهت ماكينة تلميعٍ توزِّع مقامات التضليل كما نشرات الطقس، مع فارق أنَّ الطقس يتغيَّر، بينما التضليل ثابتٌ.
وإذ يغرق لبنان أكثر فأكثر في الإندثار، يتوزَّع زويعيموه بصلواتهم عند هذا الشفيع أو ذاك، ويطلّون بثقةٍ بالنفس لا مثيل لها، للإقناع أنَّ “الوقت يعمل لصالحنا”، بينما الأرض تُنتزَع.
هنا يصبح التخادع ليس مجرَّد سياسةٍ، بل خيانةً لوطنٍ يزول أمام أعين الجميع.
أليس منسوباً الى نيتشه القول: “لا تقع ضحيَّة المثاليَّة المفرطة وتعتقد أنَّ قول الحقيقة سوف يقرِّبك من الناس. الناس تحبُّ وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام”؟ الى أيِّ مدىً نيتشويَّة القول هذا تدفع الى تصديقه، وإن كان ليس بموثوقٍ أنَّ فيلسوف العدميَّة صاحبه؟
آه من هذه النيتشويَّة!
متى سنجرؤ على كسر دوائر سوق التخادع تلك… لِشَرَفِ حقيقتنا؟
رواد م. سرمد



