“شمّر عن زنودك” لمن لا يملك ذراعاً ؟

حين خاطب سامي الجميّل رئيس الحكومة نواف سلام بالقول “هالبلد رايح على التفكك”، لم يكن يبالغ. التشخيص دقيق: دولة تتآكل مؤسساتها، وسلطة مركزية تتراجع أمام سلطات موازية. لكن المسافة شاسعة بين هذا التشخيص ودعوة السامي بالقول “شمّر عن زنودك واحكم”، لأن الواقع اللبناني لا يوفّر هامش القرار ولا أدوات المواجهة.
أولاً، المساومة ليست استثناءً بل قانون حاكم في النظام اللبناني. كل استحقاق كبير – انتخابات، تشكيل حكومة، ملف السلاح – ينتهي إلى تسوية جزئية تؤجل المواجهة ولا تحسمها. المنظومة الحاكمة تجيد الالتفاف على الاستحقاقات لأن التأجيل يحمي شبكات المصالح التي تُدار من خلالها البلاد أكثر مما تُحكم.
ثانياً، شخصية رئيس الحكومة لا تحتمل مواجهة طويلة النفس. نواف سلام يمتلك سيرة قانونية محترمة، لكن ما يُلاحظ في أدائه نمط انفعالي متكرر: غضب سريع يفور كالبركان ثم يخفت بلا أثر متراكم. المواجهة مع منظومة متجذّرة، أو مع سلاح خارج الدولة، تحتاج استمراراً في الموقف وصبراً على الكلفة السياسية، لا ردّة فعل حادة تنطفئ مع نشرة الأخبار التالية.
ثالثاً، ميزان القوى على الأرض لا يخدم “الحسم”. “حزب الله”، رغم ضعفه العسكري أمام إسرائيل وتصدّع قيادته بعد اغتيال قادته، لا يزال الأقوى تنظيماً وتسليحاً داخل لبنان، ويحتفظ بقدرة تعبئة واسعة. أي محاولة جدية لتجريده من سلاحه بالقوة، من دون تسوية سياسية شاملة وغطاء إقليمي ودولي، تحمل احتمال انفجار داخلي يطال استقرار البلاد بأكملها.
من هنا، المفارقة: نواف سلام، بحكم عقلانيته وحذره، هذا ما يجعله الحلقة الأضعف والأقل تهيؤاً لأي مواجهة. خصوصا أن لا حزب له ولا شارع يدعمه، والدعم السعودي المتأرجح لا يكفي. لذا، هذه العقلانية الفردية تتحول، على المستوى الجماعي، إلى مساهمة إضافية في تكريس حالة “اللادولة” من جهة، ورادع للانفجار الداخلي من جهة أخرى.
الجميّل محق في تشخيصه، لكن الحل ليس دفع رئيس حكومة غير مؤهل نحو تهوّر قد يعجّل بانهيار ما تبقى من الدولة بدل إنقاذها. سامي يعلم أن “أنصار” الحكومة لأي جهة كانوا لن يحرّكوا ساكنا لإنقاذ نوّاف. لذا المطلوب تشخيص أعمق للعجز البنيوي، وبناء موازين قوى جديدة تدريجياً، لا انتظار “لحظة بطولية” من رجل لم تُصمَّم شخصيته ولا موقعه لهذا الدور.
جوزف مكرزل



