مقامرة “الهستيريا الجنونيّة”!

منذ عقودٍ، والمنطقة تدور في رحى عقليّة صهيونية لم تُتْقِن سوى لغة الحديد والنار. إنّها عقليةٌ تتوهم أن الأمن يُبنى فوق تلال الجماجم، وأن الاستقرار يُنتزع بتمزيق الخرائط وتأسيس أخرى إرضاءً لطموحات إيديولوجية تشرّبت مفاهيمها منذ الوعد بأرض الميعاد الذي سقط منذ مجيء يسوع المسيح ومن مفهوم متطرّف آخر وهو توهُّمُهم بأنّهم شعب الله المختار. تُطلُّ اليوم هذه الجهات برأسها من جديد، نافخةً في كير الحرب ضد لبنان وإيران، في مقامرة انتحارية لا تقيم وزنًا لبشرٍ أو حجر.
لبنان: من “أرض الأرز” إلى “ساحة التجارب“!
لم تكن النظرة الصهيونية للبنان يوماً إلا كساحة مستباحة على اعتبار متوهّم أنّها تنتمي لهم ضمن “عقارات أرض الميعاد”. إنهم يتحدثون عن “تأديب” الجار الشمالي، وكأن الشعوب تُختزل في رقعة شطرنج. إن الإصرار على جرّ لبنان إلى أتون مواجهة شاملة ليس إلا هروبًا من مآزق سياسية داخلية، ومحاولة بائسة لفرض معادلات أثبت التاريخ فشلها.
- عقيدة الدم: تعتمد هذه الجهات على منطق “الأرض المحروقة”، متجاهلةً أن الوجع اللبناني لا يولد إلا صمودًا أكثر شراسة.
- العمى الاستراتيجي: تظن هذه الدوائر أن تدمير البنية التحتية سيجلب السلام، بينما هي في الحقيقة تزرع بذور حقد عابر للأجيال.
إيران: هوس “البعبع” والمغامرة الكبرى!
أما فيما يخص إيران، فإن الخطاب الصهيونيّ المتطرف يتجاوز التحذير السياسي ليدخل في حالة من “الهستيريا الوجودية”. إن الدفع نحو مواجهة مباشرة مع طهران ليس مجرد خيار عسكري، بل هو إعلان عن الرغبة في إحراق المنطقة بأكملها.
- تحريض القوى الكبرى: تسعى هذه الجهات لجر العالم خلف أوهامها، محاولةً تحويل صراع إقليمي إلى حرب عالمية ثالثة. إنّها الحقيقة.
- الفشل في القراءة: إنهم يجهلون، أو يتجاهلون، أن موازين القوى لم تعد كما كانت في القرن الماضي، وأن ثمن الدم سيكون باهظاً على الجميع دون استثناء. هذا إن لم ينته الكوكب بساعتين.
الخلاصة: عندما يسقط القناع!
إن هذه الجهات الصهيونية التي لم تعرف سوى “سواء الدماء”، تعيش في غيبوبة أخلاقية وسياسية. إنهم لا يبحثون عن حلول، بل عن انتصارات وهمية تُكتب بحبر من دماء الأبرياء. إن الحرب التي يروجون لها ليست حلاً لنزاع، بل هي انتحار جماعي يغلفونه بشعارات “الدفاع عن النفس”. وعندما نقول “انتحار جماعيّ” هذا يعني أنّ إسرائيل كتب نهايتها بيدها ولم يتبقّ سوى “النّقطة” في نهاية آخر سطر من الخاتمة، ومعها الولايات المتّحدة الأميركية وكل الـClubs التابعين لها.
إن الذين لا يستطيعون العيش إلا على وقع طبول الحرب، هم الأقل قدرة على صناعة سلام حقيقي، والأكثر عرضة للاحتراق بنيرانهم التي أشعلوها.
ختاماً، يبقى السؤال: إلى متى سيظل العالم صامتًا أمام عقلية ترى في الدم وقودًا لبقائها؟ إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين ظنوا أن القوة تمنحهم الحق في سحق إرادة الشعوب.
إدمون بو داغر


