إسرائيل تحوّلت من “الردع” إلى “التسكّع” العسكري!

يبدو أن غَبَاوة الإدارة الإسرائيلية قررت أخيراً تطبيق نظرية “تشتيت الانتباه الذاتي”؛ فبينما كان العالم يتوقع جيشاً “لا يُقهر”، وجدنا أنفسنا أمام “جيش لا يهدأ” من كثرة الجبهات، لدرجة أنه نسي أين وضع أهدافه الأصلية. هذا إذا كان لديه أهداف منطقية وإنسانية في الأصل. قررت القيادة الإسرائيلية الصهيونية أن التركيز على جبهة واحدة هو أمر “ممل” وغير سينمائي. لذا، اختارت فتحَ كلّ الجبهات في وقتٍ واحد، فكانت النتيجة كما وصفتها صحيفة معاريف: سلاح الجو “يتمشى” فوق إيران، بينما القوات البرية “تتعلم السباحة” في وحل جنوب لبنان. والنّتيجة السّاخرة هي أنّ إسرائيل تحولت من “الردع” إلى “التسكع” العسكري، حيث يبذل جيشها المنْهَك جهدًا جبارًا في كلّ مكان لضمان عدم تحقيق أي شيء في أي مكان.
في هذا السياق، تتوالى التّقارير الاعلامية الاسرائيليّة التي تكشفُ عن “صورةٍ قاتمة لمجريات الحرب على الجبهة اللبنانية”، مؤكّدة “فشلَ تحقيق الأهداف ووجود قيود تكبّل الجيش، وتكتيكات جديدة تفاجئ المؤسّسة الأمنيّة”. وقد أكّدت صحيفة معاريف الإسرائيلية إنّ “إسرائيل ارتكبت خطأً بفتح جبهات متعدّدة، ما أدّى إلى توزّع الجهود، واضطرار سلاح الجو إلى الإنشغال بإيران، تاركًا القوّات البريّة تتخبّط أمام حزب الله”. بحسب الصّحيفة نفسها، “نجح حزب الله في فرض معادلات جديدة، وعادت الأمور إلى ما قبل السّابع من أوكتوبر”. والغارات الأخيرة وُصفت بأنّها مجرّد “ردّ فعل شكلي” تمّت الموافقة عليه أميركيًّا، ولا تغير واقع ترسيخ وجود النّظام.” واعتبرت الصحيفة الإسرائيلية أنّ “الهدنة هي في الحقيقة “مصيدة” ووقف إطلاق النّار الحالي مكسب مجاني للحزب الذي يُعيد ترميم صفوفه”. قادة ميدانيّون اعترفوا بصراحة: “إذا عاد السكّان لهذا الواقع، فإنّنا لم نُنْجزْ شيئًا يُذكَر على الإطلاق”. وتنقل صحيفة معاريف اعتراف مسؤول أمنيّ إسرائيلي بأنّ “الطّائرات المربوطة بـ”الألياف البصرية” كانت مفاجأة غير محسوبة. هذه التقنية المنقولة من أوكرانيا تجعلها محصّنة ضدّ التّشويش، ما يمنع اعتراضَها ويُجبر الجنود على مواجهتها بالرشاشات”.
معادلة العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر
من المثير للسخرية أن إسرائيل استنفدت مخازنَ ذخيرتها، واقتصادَها، وأعصابَ سكانها، لكي تصل في النهاية إلى إنجاز تاريخي وهو: العودة إلى نقطة الصفر.
بناءً على التقارير، حزب الله لم يكتفِ بترميم صفوفه، بل فرض معادلة تجعل كلَّ الغارات الإسرائيلية تبدو وكأنها “تعديل ديكور” لا أكثر. الهدنة بالنسبة لإسرائيل هي “استراحة محارب”، لكن بالنسبة للحزب هي “وقت مستقطع لإعادة ترتيب الكراسي الموسيقية” التي سيجلس عليها الجنود الإسرائيليون قسراً.
في المحصّلة، إنّ السّيناريو القادم يُختَصَر على الشّكل التالي: إسرائيل توقّع على الهدنة لتلتقط أنفاسها، فتكتشف أن “الطرف الآخر” قد بنى مدينة كاملة تحت الأرض خلال فترة “الاستراحة”، وعندما يقرر المستوطنون الإسرائيليون العودة، سيجدون أن الوضع أصبح أسوأ مما كان عليه، ولكن بنكهة “الألياف البصرية” هذه المرة.
إدمون بو داغر



