المدى القاتل!

آخر أيَّام الجمهوريَّة اللبنانيَّة، دولة إلتزمت وقف إطلاق النار وهي لم تطلقه، ومن يطلقه بإسنادين مدمِّرين لا علاقة للجمهوريَّة بهما مصمِّم على إطلاقه “حتى النفس الأخير”. والعصيُّ على الفهم، كيف الدولة وضعت نفسها، وهي عارية تماماً من الرؤيويَّة والأفق وأيّ نقطة قوَّة‒لا حتَّى ورقة قوَّة‒، وجهاً لوجه مع إسرائيل التي تدمِّر، متعهِّدة بما لم يقو أحد لا من داخلها ولا من خارجها على القيام به.
آخر أيَّام الجمهوريَّة اللبنانيَّة، الجنوب، الضحيَّة الدائمة منذ العام 1947 تاريخ نشوء إسرائيل على حدودها، تمَّ الإنتقال من “الحرب الشاملة” إلى “الاحتلال العمليّاتي” تحت غطاء “هدنة”. والجنوب ومعه الدولة باتا بتلازمٍ واحد… ممنوعان من الحياة.
آخر أيَّام الجمهوريَّة اللبنانيَّة، تبدَّلت الإحتلالات الجغرافيَّة لتغدو “تطهيراً” بالقضم لجغرافيا تنسف فيها إسرائيل أيّ مبنى أو طريق “يُشتبه” في إحتوائه على عبوات، تحت حجّة “حماية الجنود”… مع مطالبةٍ الدولة اللبنانيَّة بتنفيذ تعهُّداتها، وتهديدٍ بالتحرُّك العسكريِّ “بكلِّ قوَّة” إذا لم تتجاوب.
بئس زمن، تجزّأت فيه الجمهوريَّة بتفاوتِ درجات الإحتلال بين إنتشارٍ مباشرٍ، وهيمنةٍ ناريّةٍ، وإنفصامٍ سياسيٍّ-رؤيويٍّ، ومنعٍ للحياة. من البحر المتوسِّط إلى الحدود السوريَّة!
ها هوذا المدى القاتل للبنان الجمهوريَّة والدولة ‒مع خشية مطاولته الكيان، كفكرةٍ وتحقيقٍ‒، عبر إدارة الجغرافيا الحدوديَّة بالقوَّة المباشرة، فالتّطويق، والردم، والهدم، والمنع… وكلّها أدوات لمشروعٍ واحدٍ: إخضاعٌ فحرمانٌ.
ها هوذا لبنان ‒مدى الحياة،‒ ضحيَّة المدى القاتل هذا بإزدواجيَّتين قاتلتين: إنكارُالهزائم بإنتصاراتٍ الهيَّةٍ ‒حتّى وإن كان الله موجوداً لما صدَّق أنَّها منه‒، وهمجيةُ التألُّه العسكريِّ بالنارِ التي تشكِّل بين الإرتباك والجنون واقعاً يتفلَّت هيمنة.
“اسكتوا يا ولاد
إهدوا يا ولاد
عَ كِتر ما لعبتوا
خرَّبتوا البلاد…”
كتب ذات يوم منصور الرحباني!
رواد م. سرمد


