صخرة الرفض في وجه أطماع التاريخ!

جذور الأطماع: من “سايكس بيكو” إلى اليوم ستندثر قريبًا، الجنوب اللبناني هو الجائزة المفقودة في مشاريع “الشرق الأوسط”، وخريطة الأوسط الجديد ليست سوى خريطة “الميكروويف:لكونها محاولة “لإنضاج” حلول سياسية معقدة في دقائق، وتجاهل أن الصراعات في المنطقة تحتاج لقرون من التفاهمات وليس لمجرد خطوط رسمها موظف في واشنطن لم يزر المنطقة قط.
يعتقد البعض واهمين أن التحركات الراهنة في جنوب لبنان مجرد “نزوة” عابرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، أو تطور طارئ على مسار الصراع العربي الإسرائيلي. إلا أن الحقائق التاريخية تكشف أن ما يحدث اليوم هو جزء من مخطط قديم وأصيل في الفكر الصهيوني.
للبرهنة على ذلك، يكفي استحضار “بروتوكولات Sèvres ” عام 1956؛ ففي ذلك الاجتماع السري الذي ضم دافيد بن غوريون، ورئيس وزراء فرنسا غي مولييه، ووزير خارجية بريطانيا، لم يكتفِ بن غوريون بمناقشة العدوان على مصر، بل باغت الحاضرين برؤية توسعية لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
ملامح خطة بن غوريون (1956):
لم تكن الإطاحة بجمال عبد الناصر سوى هدف واحد من مجموعة أهداف استراتيجية، شملت:
فلسطين والأردن: عزل الضفة الغربية عن الأردن وإخضاعها للسيطرة الإسرائيلية، مع دمج الضفة الشرقية بالعراق بعد إعادة تقسيمه.
لبنان: كان المقترح يهدف إلى تفتيت لبنان عبر تقليص مساحته وإنشاء دولة مسيحية، مع إعادة طرابلس والبقاع إلى سوريا.
التوسّع الحدوديّ: نصت الخطة صراحة على ضم المنطقة اللبنانية وصولاً إلى نهر الليطاني لتصبح جزءاً من الكيان الإسرائيلي.
إن هذه الأطماع تجاه لبنان ليست وليدة اللحظة، بل هي عقيدة مستمرة تتقاطع مع الرؤية الأميركية التي تنظر إلى “لبنان الكبير” وتقسيمات “سايكس-بيكو” بوصفها “خطيئة فرنسية” يجب تصحيحها وفق المصالح الاستعمارية المعاصرة.
رغبة مستحيلة
أردنا من خلال اللّمحة التاريخية التي قدّمناها تذكير “مسؤولي لبنان الرسميين” بالأَيْمان الذي تمّت تأديته على الدّستور. وبالتّالي، وفي وفي سياق محادثات السّلام الجبريّة التي يسعى إليها الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام، يُفيد مصدران دبلوماسيّان أنّ “المناخ العربي العامّ لا يغطّي لقاء رئيس الجمهوريّة العماد جوزيف عون برئيس حكومة العدوّ بنيامين نتنياهو، والذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب”.
يعتبر المصدران أنّ “اللقاء يهدّد استقرار لبنان بالدرجة الأولى، وهو تجاوز لكلّ الأعوام الماضية التي شهدت مجـازر بحقّ عشرات آلاف العرب والمسلمين في الدرجة الثانية، بالإضافة إلى أنّ أي عمليّة تسوية سياسيّة هدفها وقف الحـرب ممكن أن تحصل بعيدًا عن اللقاءات المباشرة، لا سيّما وأنّ أيّ رئيس عربي لم يلتقِ نتنياهو منذ بدء العدوان عام 2023”.
هذا وينطلق الموقف العربي من ثابتة وهي أنّ لبنان ملتزم بمندرجات قمّتَي بيروت والرياض العربيّتَين، وأنّ تجاوزهما يُعدّ خروجًا عن الإجماع العربي وهو سابقة لم تفعلها أيّ سلطة لبنانيّة منذ العام 1990.
دورة الحضارة: من المخاض إلى الازدهار
ولأجل كلّ ما سبق، لا بدّ من تذكير الملهوفين على معانقة الشر على حساب الحق بدورة الحضارة البشرية السّليمة:
تتحرك عجلة التاريخ وفق معادلة ثابتة لا تحابي أحداً؛ فالمعاناة والقسوة هي المصنع الذي يصقل عزائم الرجال، وبقوتهم تُبنى صروح الرخاء والاستقرار. لكن دوام الرخاء قد يورث التراخي، فتذبل الهمم ويظهر جيلٌ هش، وبسبب هذا الضعف تعود الأزمات لتطل برأسها من جديد. إنها حكاية الصعود والسقوط التي تتكرر بمرارة مع الأمم التي لا تتعظ من دروس الماضي.
بشائر الفجر الجديد
نحن اليوم نقف في قلب العاصفة، في تلك “الأوقات الصعبة” التي لا بديل فيها عن صناعة جيل من القادة الاستثنائيين. إن العبور نحو مجتمع قوي ومنيع يتطلب رجالاً بمواصفات خاصة:
الجوهر: نقاء السيرة، صدق الإيمان، وعمق الحكمة.
الكفاءة: خبرة سديدة، وعي سيادي، واستقلال في القرار.
الغاية: التمسك المطلق بالصالح العام والخير المجتمعي.
مسؤولية الوعي الجماعي:
إن التغيير المنشود ليس معركة القادة وحدهم، بل هو ميثاق بين القيادة والشعب. لن يتحقق النهوض إلا إذا كنت أنت:
مدركاً لخطورة المرحلة ومتطلباتها.
شاهداً للحق، لا تنحني أمام زيف الباطل.
مؤمناً بالقيادة المخلصة التي تجسد هذه القيم.
حين تلتقي حكمة القيادة بوعي الشعوب، يحدث التغيير السلمي الحقيقي. عندها فقط، يحل السلام وتعمّ البركة، ويتحقق الازدهار بعيداً عن طبول الحروب وشرارات الدمار؛ تغييرٌ يبدأ بالعقل والروح، وينتهي ببناء وطنٍ لا يُقهر.
إدمون بو داغر


