الحرب بين الوهم والاستعداد!

كل هذا التذبذب بين التهديد بالحرب والتأجيل بإشارة من واشنطن ليس مصادفة، ولا هو لعبة سياسية عابرة تنتهي بانتهاء موسمها. إنه، في جوهره، عملية تطبيع بطيئة مع فكرة الحرب، تجعلنا نعتاد الخطر شيئاً فشيئاً حتى يفقد وقعه، تماماً كما يفقد الجسد حساسيته تجاه ألمٍ متكرر. وهذا بالذات هو الخطر الأكبر: أن نصل إلى لحظة الانفجار الحقيقية ونحن مخدَّرون بوهم أن “الأمر سيؤجَّل كالعادة”.
لكن الوقائع على الأرض تقول عكس ذلك تماماً. عدوٌّ يوسّع خروقاته يومياً، يحرق ويسرق ويقتحم دون رادع، ودولة تكتفي بإدارة الأزمة بدل مواجهتها، ومفاوضات لا تنتج سوى مزيد من الوقت الضائع. كل هذه المؤشرات لا تقود إلى سلام، بل إلى استحقاق مؤجَّل لا أكثر. فمن يقرأ المشهد بعين ناقدة، لا بعين الأمل الساذج، يدرك أن التهدئة الحالية ليست نهاية المسار، بل مجرد محطة. علي الطاهر، جبل الريحان وغيرها في مجهر العدو والمخطط يتوسع فيما المفاوضات تتعثر.
والمشكلة الحقيقية ليست في قدوم الحرب بحد ذاتها، فهذا احتمال قائم في أي منطقة صراع، بل في أن نستقبلها كما استقبلنا كل الكوارث السابقة: بالمفاجأة، بالارتباك، بغياب أي خطة أو استعداد جدّي، وكأننا لم نكن نملك أي مؤشر مسبق. لطالما كررنا النهج ذاته، نكتفي بردود فعل بدل أن نستبق الحدث بتجهيز مسبق، ثم نندهش مجدداً عند وقوع الفجيعة.
الحقيقة التي يجب أن نتوقف عن الهروب منها هي أن الحرب آتية لا محالة. ليس تشاؤماً، بل قراءة واقعية لمسار واضح المعالم لمن أراد أن يرى. والسؤال ليس “هل ستأتي؟” بل “هل سنكون جاهزين حين تأتي؟”. وهنا يحضر المثل الفرنسي القائل : “الإنسان المنبَّه يساوي اثنين” فمن يرى الخطر مسبقاً ويستعد له، يملك من القوة ما لا يملكه من يُفاجَأ به. فلنكن هذه المرة ممن استشرفوا الخطر وتجهّزوا له، لا ممن انتظروا حتى اكتووا بناره. لكن النعامة نعامة، لا تقوى على طمر رأسها.. حتى ولو اقترب الخطر وقطع الرأس عن الجسد.
جوزف مكرزل



