.. تلمّ مَسَاحيقَها وتخلع ملابسها الداخليّة!

صادَقَت الحكومة الإسرائيلية رسمياً على خطة إجلاء شاملة لسكان المدن الكبرى، وهذا الخَبَر يحملُ الكثير في طيّاتِه.
لنتأمّل مليًّا في ما يحدث وفي ما سيحدث قريبًا جدًّا انطلاقًا من الشّرق الأوسط وصولاً للعالَم ، حتّى ينتهي زمنُ طبقة سياسيّة واجتماعيّة لم تقدّم شيئًا نافعًا يُذكَر للبشريّة. هذا الانفجار الكبير سيندلعُ سيلانُه ولهيبُه من الشرق وتحديدًا من الوَاحَة التي استحدثها الغرب من خلال اتفاقية سايكس بيكو (1916) ووعد بلفور (1917) وهما حدثان سرّيان ومتصلان رَسَمَا شكلَ الشّرق الأوسط الحديث؛ حيث قسَّمَت “سايكس بيكو” بلادَ الشام والعراق بين بريطانيا وفرنسا، بينما مهّد وعد بلفور لاحقًا لتسليم فلسطين للحركة الصهيونية لإقامة وطن لليهود، ممّا أدّى إلى ضياع حقوق أهلها.
عن أي “جيش لا يُقهر” و”ردع استراتيجي” نتحدث، بينما المشهدُ الحقيقيّ على الأرض يتحوّلُ إلى النُّسخة العبريّة من مسلسل “Survival”? فالقرار الإسرائيليّ بإخلاء المدن الكبرى لا يعكس مجرَّدَ “قلقٍ أمني”؛ بل هو اعتراف علنيّ ومصوَّر بأنّ متاريسَهم وترساناتِهم التي لطالما هدّدوا بها المنطقة بأسرها قد انكسرت. لقد انكَسَرَت حقًّا، وَلَوْ أنّ الإعلام الذي يملكون، لازال يلمّعُ صورَتَهم أمام أصحاب العقول الضّعيفة والنّفوس المُنسَحقة، وأنَّ “الجبهة الداخلية الصامدة إعلاميًّا” ما هي إلا حبر على ورق البيانات العسكرية ولا ننسى الدّور الذي يلعبُه التّعتيم الإعلاميّ عن التّشرذم والتهاوي اللاحق بالكيان داخليًّا.
بعضُ المشاهد من مَلْحَمَة الإفلاس
لم تعد الشوارع الرئيسة والطرق السريعة مجرد شرايين مرورية، بل أصبحت شاشات عرض عملاقة لارتفاع منسوب الذعر. بضع رشقات صاروخية مفترضة كانت كافية لتحويل “تل أبيب” من عاصمة الـHigh-Tech والرفاهية إلى أكبر مرآب سيارات متوقف في العالم.
العقيدة العسكرية التي قامت على نقل المعركة إلى أرض العدوّ تحوّلت فجأةً إلى عقيدة “من يركن سيارته أولاً في أقصى الجنوب”. يبدو أن خطط الدفاع المتقدمة استُبدلت بحقائب سفر سريعة التجهيز وإحداثيات أقرب ملجأ.
بينما تتوقف الأسواق وتتراكم الخسائر بالملايين، أصبحت التجارة الأكثر رواجًا هي حجز مكان في الملاجئ أو تأمين شقة في مكان بعيد لم تصله الخريطة الاستهدافية بعد، هذا إن وُجد مثلُ هذا المكان أساسًا.
إن الصورة التي حاولت المنظومة السياسية والعسكرية الإسرائيليّة رسمها لعقود، أيْ صورة “القلعة الحصينة” تبخّرت في ساعات أمام واقع طوابير السيارات المشلولة. الحقيقة التي يقدمها هذا الإجلاء الجماعي بسيطة جداً: عندما تُبنى الدولة على القوة المفرطة وحدها، فإن أي اختبار حقيقي للردع يجعلها أول من يركض نحو المخارج، بل نحو خارج الأراضي الإسرائيليّة.
إدمون بو داغر


