وطن ينهار وإقليم يغلي!

في وقت تتدحرج فيه المنطقة وتقرع طبول الحرب، ينشغل “قادة” الصدفة في لبنان بمعاركهم الميكروسكوبية البائسة. هنا، حيث تشتعل النيران تحت الرماد، لا يقتصر الانقسام على الخنادق التقليدية بين معسكر “الدويلة” ومعارضيها، بل يتعداه إلى تصفية حسابات ضيقة بين حلفاء الأمس، ليغرق الجميع في تشرذم سياسي عبثي يُفقد البلد ما تبقى له من هيبة وقضية.
على الساحة المسيحية، حرب إلغاء صامتة بين بعبدا ومعراب. التباينات أعمق من مجرد نكايات إقصاء وزراء، فبينما تحاول “القوات اللبنانية” دفع الأمور نحو حسم عسكري لإنهاء آفة السلاح غير الشرعي حتى لو أدى ذلك الى صدام دموي، يقف الرئيس عون متوجساً، يبحث عن تفادي الانفجار الشامل خوفاً من سيناريو التقسيم. في حين يراوح “العونيون” بين معارضة خجولة ومسايرة عقيمة، متسلحين فقط بعداء أعمى وجاهز لخصمهم اللدود في معراب.
الثنائي الشيعي ليس بأفضل حال، فبين عين التينة وحارة حريك خطوط ساخنة يملؤها الشد والجذب الدائم. يقف نبيه بري اليوم متوجسا من سحب “الأرنب المتفجّر” من قبعته، يراقب بقلق تحول “الحزب” إلى أجنحة متصارعة بين عقلانيين يبحثون عن مخرج واقعي، وانتحاريين مستعدين لتقديم الطائفة كبش فداء في معركة كربلائية عبثية. يود بري لو يقتنص فرصة المفاوضات المباشرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه مكبّل بأغلال الهيمنة الإقليمية التي تخنق الأصوات الشيعية ذات التوجه اللبناني.
وإذا التفتنا صوب الساحة السنية، فالطاسة ضائعة تماماً والبوصلة مفقودة. تيار المستقبل يتلاشى بعد أن أصبح الحريري “بخبر كان”، بينما يمارس نجيب ميقاتي هواية السير الحذر على رمال متحركة قابلة لابتلاعه في أي لحظة. وبينما آثر تمام سلام الانكفاء مبكراً، يقف المفتي فوق فوهة بركان لا يعرف متى ينفجر. اما نواف سلام فهو يغرّد خارج السرب، معلقاً بآمال واهية وحبال سعودية بدأت بالفعل تفكك عقدها للبحث عن وجوه جديدة وتوازنات أخرى.
إنها كوميديا سوداء تجسّد اهتراء الطاقم السياسي اللبناني، وطن ينهار وإقليم يغلي، و”زعماء” يقتتلون على فتات مائدة ستلتهمها النيران قريباً!
جوزف مكرزل



