أمننا في مهبّ الرياح!

لا يكتمل يوم على لبنان دون أن تصفعنا “تهديدات وجودية” تفوق قدرتنا على الهضم، و تدفعنا للبحث عن كوكب بديل. وفجأة، بمكيدة إلهية مجهولة الهدف، تظهر “مفاجأة” لا تنقذنا بل تذكّرنا بأن الهروب ممنوع. يبدو أن هذا الوطن “ملعون” بإتقان، لكنه “محمي إلهياً” فقط لضمان استمرارية العرض المسرحي العبثي الذي نعيشه. اللعنة مؤكدة، أما الحماية مجرد “تأجيل” لصفعة أكبر.
لم يكن لبنان هذا الأسبوع تحت رحمة التهديدات الإسرائيلية وحسب، بل كان مجرد “محكوم اعدام” ينتظر فيتو الإدارة الأميركية. مشهد يشبه أفلام الرعب الرخيصة: إسرائيل تلوّح بـ”القوة الهدّامة” و”بيروت” على وشك السقوط، وفجأة يأتي “الرئيس الأميركي” كالمنقذ العجوز ليأمر نتنياهو بأن “يكف عن جنونه”. لحظة من “الحكمة” المنزلة زالت فيها صفعة الوجود، ليثبت مجدداً أن أمننا القومي ليس سوى ريشة في مهب “مزاج” اسرائيل ورياح واشنطن، وأن حياتنا مرهونة باتصال هاتفي عابر للمحيط لا بقرار سيادي.
من المثير للسخرية والمرارة أن تتبرع “طهران” برفض مسودة اتفاق لوقف إطلاق النار بين الدولة اللبنانية وإسرائيل.. اتفاقٌ لا يبحث إلاّ عن كبح جنون نتنياهو وحماية ما تبقى من حجر في الجنوب من دمار شامل. يبدو أن المنطق الإيراني يصرّ على حماية “الوجود الحزبالاوي” وربطه بمصالح التفاهمات الكبرى، متجاهلاً حقيقة أن آلة الموت الإسرائيلية لن تتوقف، حتى ولو بطلب أميركي ضاغط. وفي نهاية هذا العرض المسرحي الدامي، ستنقذ إيران “شعبها” ومصالحها أولاً، بينما يُترك لبنان وحيداً ليحترق بنيران الحقد.
اما اتّكال المسؤولين اللبنانيين الأعمى على “العصا الغليظة” لواشنطن. فلم يعد الأمر مجرد خطأ في التقدير، بل خطأ سياسي. فلبنان الذي أتقن عبر عقود فن الرقص على حبال المتناقضات الدولية والإقليمية، تحوّل إلى دمية تتحرك بخيط واحد بل مسرح لنزاعات الآخرين. أما التذرّع بالاتكال على “الأقوى”، فهو تخلٍ صريح عن السيادة وتجاهل للتاريخ الذي يفرض علينا البحث عن الأصدقاء لا الأسياد.
جوزف مكرزل



